اخبار

أي حضور أممي بعد ‘اليونيفيل’ لن يواجه عسكرياً

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
أي حضور أممي بعد ‘اليونيفيل’ لن يواجه عسكرياً

يرسم اتفاق الإطار الثلاثي الموقّع حديثاً بين لبنان وإسرائيل جدولاً زمنياً طموحاً من المحطات المتتالية على طريق معاهدة سلام دائمة. مع اقتراب انسحاب قوة “اليونيفيل” من لبنان واستبعاد إرسال واشنطن قواتها الى هناك، باتت صياغة آليات تنفيذ الخطوات الوسيطة في الاتفاق تحديثاً حقيقياً.

 

أبرز هذه الخطوات تحديد تفاصيل “البرنامج القائم على الأداء لبناء قدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته العسكرية والأمنية الكاملة على لبنان”، بما يشمل الخطوات المتفق عليها لـ”نزع سلاح جميع الجماعات المسلّحة غير الحكومية بصورة موثقة”.

 

لا يحتل ملف المشاركة الأوروبية في هذه العمليات حيزاً محورياً في الإستراتيجية الأميركية الراهنة. غير أن الاتفاق أقر بحاجة لبنان الى دعم “الشركاء الدوليين لإرساء سيادته الكاملة”. فيما طالب البيان الأخير لمجموعة السبع بصون “السلامة الإقليمية للبنان وسيادته مع ضمانات أمنية دولية ملائمة”. يلمّح ذلك الى توجه نحو مسعى متعدد الأطراف. وتجري فعلاً مناقشات حول بعثة أوروبية جديدة في لبنان. وتتهيأ حكومات أوروبية عدة لتقاسم الأعباء والتكامل مع الجهود الأميركية. بيد أن التنسيق عبر الأطلسي، بما يستلزمه من صراحة ووضوح يبقى ضرورةً لا غنى عنها لتعزيز الهدف المشترك بين واشنطن وأوروبا: تمكين بيروت من ترسيخ سيادتها وقدرتها على نزع سلاح “حزب الله”.

 

هل من حضور أممي واقعي في مرحلة ما بعد “اليونيفيل”؟ حدّد الأمين العام لـ الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالة وجهها أخيراً الى مجلس الأمن خمس “وظائف جوهرية” للحضور الأممي في لبنان عقب إنهاء مهمة “يونيفيل” التي امتدت خمسة عقود وأُغلقت رسمياً العام الماضي. وفي آب الماضي كلّفه قرار مجلس الأمن 2790 صياغة خيارات لتنفيذ القرار 1701 بعد إنسحاب “اليونيفيل” كان القرار 1701 الصادر عام 2006 أنهى حرب إسرائيل و”حزب الله” السابقة وأوكل الى المجتمع الدولي مهمة رصد وقف إطلاق النار على امتداد الخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة الى جانب نزع سلاح الميليشيات كلها وانسحاب القوات الاسرائيلية، وإعادة انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني.

 

حدّدت رسالة الأمين العام ثلاثة خيارات للبعثة تتباين في نطاقها وقوامها البشري. أكثرها طموحاً يضم 350 مراقباً غير مسلّح وأربع كتائب مشاة مسلحة (نحو 750 جندياً لكل منها) لحماية القوة، واحتياطياً قوامه 700 عنصر ليبلغ المجموع 4050 فرداً. أما الخيار الأكثر تواضعاً فيشمل 215 مراقباً غير مسلّح وكتيبتي مشاة خفيفتين (نحو 450 جندياً لكل منهما) وقوة تدخل سريع قوامها 350 جندياً. ويُصبح المجموع نحو 1465 فرداً. وللمقارنة يبلغ عدد حافظي السلام الدوليين أو الأمميين المنتشرين حالياً في لبنان 7478 وفق بيانات أول أيار الماضي. 

 

ماذا عن البعثة الأوروبية التي يفكّر البعض في تأليفها لتعزيز الجهود القائمة من دون استبدالها؟ في 15 حزيران الماضي أكدت المسؤولة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ماريا كالاس أن المسؤولين يحرزون تقدماً “في العمل على بعثة أوروبية جديدة في لبنان”. بعد أيام قليلة أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني أن روما وباريس اتفقتا على إطلاق “تحالف” دولي لدعم لبنان في مرحلة ما بعد “يونيفيل”. ولا يزال غير واضح ما اذا كانت المبادرتان متطابقتين أو متمايزتين. أياً يكن الأمر ستسعى أية بعثة أوروبية الى التكامل مع الجهود الأميركية لا التنافس معها. وقد أكد الاتحاد الأوروبي منذ وقت طويل المسؤولية الأولى لـ”حزب الله” عن الحرب في لبنان، وضرورة نزع سلاحه وتصنيف جناحه العسكري منظمة إرهابية. كما يدعم الأوروبيون المفاوضات المباشرة التي تقودها الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان وإمكانية أن تفضي الى أمن دائم لكلا البلادين. يتشارك الأوروبيون أيضاً تشكّك الرئيس ترامب المُعلن إزاء الأساليب العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وإن اختلف أسلوب التعبير عنه ومرجعيته المتمثلة في القانون الإنساني الدولي.

 

في ضوء ذلك يمكن أن تتخذ بعثة أوروبية مستقلة عن الحضور الأممي لكن مكملة له شكل بعثة في إطار “السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة” للاتحاد الأوروبي. هذه البعثات قد تكون مدنية أو عسكرية أو كلتيهما معاً. فالبعثة الاستشارية للاتحاد في العراق تقدّم الدعم لسلطات بغداد في مجال اصلاح القطاع الأمني، فيما تنفذ قوة البحرية الأوروبية المتوسطية “يونافورميد” عملية “إيريني” في ليبيا للمساعدة في تطبيق حظر الأسلحة الأممي عبر أصول الأقمار الاصطناعية والمراقبة الجوية والبحرية. الجدير بالتوضيح هنا هو أن أي حضور أوروبي لم يحمل تفويضاً للمواجهة العسكرية مع “حزب الله” بل سيكون هدفه المساعدة في بناء قدرات الجيش اللبناني وتمكين الدولة اللبنانية المعززة من استعادة السيطرة على أراضيها مستقبلاً.