عمّان – محمد الرنتيسي
لم يعد الجفاف في الأردن أزمة موسمية عابرة، إذ فرض التحول المناخي نفسه على القطاع الزراعي وأعاد رسم ملامح الإنتاج والعيش في الريف، كما يُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالأرض والماء. فمع تراجع انتظام الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، وتعاظم شحّ الموارد المائية، يجد المزارعون ومربّو الثروة الحيوانية أنفسهم في مواجهة معادلة أكثر تعقيداً: إنتاج أقلّ، وكلفة أعلى، ومخاطر يصعب التنبؤ بها.
يقول الخبير في حوكمة الأراضي الدكتور رائد غريب إن “الجفاف في الأردن لم يعد أمراً مستقبلياً أو تحذيراً نظرياً، بل أصبح واقعاً نلمسه في تفاصيل الحياة اليومية، من خلال مواسم مطرية أقلّ انتظاماً، وفترات جفاف أطول، وتراجع الغطاء النباتي في العديد من المناطق، إلى جانب الضغط المتزايد على المياه الجوفية والمراعي”.
ويظهر أثر هذا التحوّل المناخيّ، وفق غريب، في قرارات المزارعين اليومية؛ “في تردد المزارع قبل زراعة أرضه، وفي مربّي الثروة الحيوانية الذي يجد نفسه أمام كلفة متزايدة للأعلاف، وفي الراعي الذي يكتشف أن المراعي التي كانت تكفيه في الماضي لم تعد قادرة على تلبية احتياجاته اليوم”.
لكن أزمة الجفاف في الأردن لا يمكن اختزالها في انخفاض كميات الأمطار فقط، فهي أصبحت قضية مرتبطة بطريقة إدارة الموارد المحدودة. لذلك، لم يعد السؤال فقط “عن كمية المياه المتوفرة” بل عن “كيف توزع؟ ومن يحصل عليها؟ وهل تصل إلى الفئات الأكثر اعتماداً عليها؟”.
يؤكد غريب أن التحدي الحقيقي يكمن في تطوير حوكمة الأرض والمياه والمراعي بما يتلاءم مع واقع مناخي جديد، يحمي صغار المزارعين والرعاة الذين يمثلون الحلقة الأكثر هشاشة أمام هذه التحولات.
يواجه المزارع الأردني معادلة صعبة: مياه محدودة، كلفة إنتاج مرتفعة، طاقة ومدخلات زراعية أغلى، وأسواق لا تعوضه دائماً عن حجم المخاطرة. لذلك، يوضح غريب بأن بعض المزارعين يقلّلون المساحات المزروعة، أو يغيّرون نوع المحاصيل، أو يتحوّلون إلى تقنيات ريّ أكثر كفاءة إذا توافرت لهم القدرة المالية، بينما يخرج بعضهم من الزراعة بصمت”.
ولعل الأخطر بنظر غريب، الذي يرأس “التحالف الوطني للأرض”، ويدير “مؤسسة بذور”، هو تأثير الجفاف، الذي يتجاوز حدود الإنتاج الزراعي ليطال البنية الاجتماعية والاقتصادية في الريف. فالأرض من دون ماء تفقد قدرتها الإنتاجية، والمياه من دون إدارة عادلة لا تصل بالضرورة إلى من يعتمد عليها أكثر. لذلك، لا يجب أن يُنظر إلى المزارع فقط كمستهلك للمياه، بل كشريك في حماية هذا المورد وفي الانتقال نحو نموذج زراعي أكثر كفاءة وعدالة.
تدفق المياه إلى بركة ريّ زراعية في غور الحديثة، على بُعد حوالي 80 كيلومترًا جنوب العاصمة الأردنية عمّان، في 20 نيسان/أبريل 2021 (أ ف ب).
خريطة المحاصيل الأردنية
لم يعد المزارع الأردني قادراً على الاعتماد على الخبرة التقليدية وحدها في تحديد مواسم الزراعة، بعدما أصبحت التقلبات المناخية أكثر حضوراً وتأثيراً. ويشير غريب إلى أن ارتفاع درجات الحرارة “غيّر قواعد اللعبة الزراعية”، إذ باتت موجات الحر تأتي في توقيتات حساسة تؤثر على مراحل الإزهار وعقد الثمار وجودة الإنتاج، فضلاً عن زيادة حاجة النباتات إلى الريّ.
وتتأثر بشكل خاصّ المحاصيل البعلية، مثل القمح والشعير، التي تعتمد على مياه الأمطار، إذ أصبحت أكثر عرضة لتذبذب الإنتاج نتيجة عدم استقرار الموسم المطري. كذلك، تواجه الأشجار المثمرة والخضراوات تحدّيات إضافية عندما تجتمع الحرارة المرتفعة مع نقص المياه، ما يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية أو تراجع الجودة أو ارتفاع كلفة الحفاظ على المحصول.
ويعتبر غريب أن الفجوة لا تزال قائمة بين وجود الخطط والسياسات وبين وصول أثرها الفعلي إلى المزارعين. فالمزارع لا يقيس نجاح أي استراتيجية من خلال عناوينها، بل من خلال قدرته على الوصول إلى المياه، والحصول على تمويل مناسب، والاستفادة من الإرشاد الزراعي، والحصول على حماية من الخسائر وتقلبات السوق.
كذلك الحال بالنسبة إلى مربي الثروة الحيوانية الذي يختبر الإجراءات الحكومية من خلال كلفة الأعلاف، وحالة المراعي، ووضوح القوانين المنظمة لاستخدام الموارد.
لذلك تتطلب المرحلة المقبلة الانتقال من منطق إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى بناء منظومة وقاية وتكيف، تقوم على ثلاثة عناصر أساسية: بيانات مناخية وزراعية أكثر دقة، مشاركة حقيقية للمزارعين والرعاة في صناعة القرار، وحوكمة أكثر عدالة للأرض والمياه والموارد الطبيعية. فالتكيف المناخي، لا يقاس بعدد الخطط الموضوعة، وإنما بقدرة الناس على البقاء في أراضيهم والاستمرار في الإنتاج بكرامة.
الجفاف يصل إلى زيت الزيتون
لم تعد تداعيات الجفاف نظرية بالنسبة إلى القطاع الزراعي الأردني، بل بدأت تظهر في منتجات كانت تعد جزءاً من الأمن الغذائي المحلي. ويشير الأستاذ في كلية الزراعة في الجامعة الأردنية، الدكتور جواد البكري، إلى أن مواسم الجفاف أصبحت أكثر تكراراً وشدّة خلال العقدين الماضيين، مع تغيّر واضح في نمط الأمطار وتوقيت بداية الموسم المطري ونهايته.
ويؤكّد البكري أن تأثير الجفاف يطال الزراعات البعلية والمروية على حدّ سواء، سواء تلك التي تعتمد على مياه الأمطار أو على السدود والينابيع. ويضرب مثالاً بموسم 2024/2025، الذي كشف حجم التحدي بعدما اضطرت الحكومة الأردنية إلى السماح باستيراد زيت الزيتون من تونس وإسبانيا، بعدما كان الأردن يتمتع باكتفاء ذاتي من هذا المنتج قبل ذلك الموسم.
ولا تتأثر جميع المحاصيل بالطريقة نفسها أمام التغيرات المناخية؛ فبعضها يمكن أن يستفيد من ارتفاع درجات الحرارة إذا توفرت المياه، بينما تتراجع إنتاجية محاصيل أخرى. ويشير البكري إلى أن الزيتون والحمضيات وبعض أنواع الخضار من بين المحاصيل التي تتأثر سلباً بالإجهاد الحراري.

نساء أردنيات يعملن في حصاد الفاصوليا الخضراء في مزرعة بغور الحديثة، على بُعد حوالي 80 كيلومترًا جنوب العاصمة عمّان، في 20 نيسان/أبريل 2021 (أ ف ب).
لكن التأثير الأكبر لارتفاع الحرارة، بحسب البكري، لا يرتبط فقط بحجم الإنتاج، بل أيضاً باضطرابات الأسواق. ففي بعض المناطق، يؤدي تزامن الإنتاج ووصوله إلى الذروة إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار، ما يضغط على دخل المزارعين، بينما قد يشكل ارتفاع الحرارة فرصة لبعض المحاصيل، التي قد تدخل مرحلة الإنتاج المبكر، مثل النخيل.
لكن الاستفادة من هذه التحولات المناخية ليست متاحة للجميع، إذ يوضح البكري بأن المزارعين ذوي الإمكانيات المالية الأكبر هم الأكثر قدرة على استثمار هذه الفرص، بينما يبقى المزارع الصغير والفقير أكثر عرضة للخسائر بسبب محدودية قدرته على التكيّف أو اعتماد تقنيات زراعية حديثة.
إجراءات مواجهة
في محاولة للتخفيف من آثار شحّ المياه، اتخذت الحكومة الأردنية عدداً من الإجراءات، خصوصاً في منطقة وادي الأردن، بينها منح تراخيص لحفر آبار جوفية للمزارعين، وشراء مياه من آبار خاصة وضخّها في قناة الملك عبدالله (قناة الغور الشرقية) لضمان استمرار تدفق المياه.
في المقابل، لجأت السلطات إلى إجراءات انعكست سلباً على بعض المزارعين، من بينها منع بعض الزراعات الصيفية وتقليص الحصص المائية المخصصة لهم، ما زاد من الضغوط على قطاع زراعي يحاول التكيف مع واقع جديد عنوانه الأبرز: ماء أقل، حرارة أعلى، ومستقبل غذائي أكثر هشاشة.