كشف مصدر أمني عراقي، عن وجود تحركات مشتركة بين مستشارية الأمن القومي والجهات القضائية لوضع إطار جديد للتعامل مع الفصائل المسلحة التي ترفض الانضمام إلى مسار نزع السلاح، موضحاً أن المشاورات لا تزال مستمرة لدراسة الخيارات المتاحة قبل اتخاذ أي قرار نهائي.
وقال المصدر، الذي طلب حجب هويته، لـ”إرم نيوز” إن “النقاشات تتركز على منح هذه الفصائل فرصة أخيرة للدخول في حوار جاد ومباشر مع الدولة وقادتها السياسيين والأمنيين، للوصول إلى تسوية تنسجم مع القانون، وفي المقابل يجري بحث خيارات قانونية أكثر حزماً بحق الجماعات التي تصرّ على تحدي قرارات الدولة، بما في ذلك دراسة إمكانية إدراجها ضمن التصنيفات المحظورة إذا انطبقت عليها المعايير القانونية والأمنية”.
وأضاف أن “مستشارية الأمن القومي تمتلك معايير واضحة في تقييم الجماعات المسلحة، من بينها طبيعة الفكر الذي تتبناه، ومستوى الولاء لجهات خارج مؤسسات الدولة، ومدى خطورتها على الأمن الوطني، وسجلها في استخدام القوة خارج القانون، فضلاً عن مدى انسجام نشاطها مع الدستور والقوانين العراقية”، مؤكداً أن “أي إجراءات مستقبلية ستبقى مرتبطة بقرارات الدولة والسلطات القضائية المختصة”.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار تنفيذ خطة حصر السلاح، التي شهدت خلال الأسابيع الماضية استجابة عدد من الفصائل المسلحة؛ إذ أعلنت سرايا السلام وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي الدخول في ترتيبات لتنفيذ إجراءات فصل تشكيلاتها العسكرية عن هيئة الحشد الشعبي، وتشكيل لجان مشتركة مع الحكومة لتنظيم عملية تسليم الأسلحة والمعدات وفق الأطر التي وضعتها الدولة.
رفض ميليشيا الكتائب والنجباء
في المقابل، لا تزال “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” تعلنان رفضهما لهذا المسار، وتتمسكان بالإبقاء على سلاحهما؛ الأمر الذي يضع الحكومة أمام اختبار معقد بين استمرار الحوار السياسي، أو الانتقال إلى أدوات قانونية وأمنية أكثر صرامة إذا تعذر الوصول إلى تفاهمات.
وكان القضاء العراقي مهد لهذا المسار عندما وجّه المحاكم المختصة بتطبيق أحكام قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 على كل من يصنع أو يستخدم أو يحوز الطائرات المسيّرة المستخدمة في أغراض مخالفة للقانون، وهو توجيه اعتبره مسؤولون أمنيون آنذاك مؤشراً على استعداد المؤسسات القضائية للتعامل مع بعض الأنشطة المسلحة غير القانونية ضمن إطار تشريعات مكافحة الإرهاب، ولا سيَّما ما يتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة في الهجمات خارج سلطة الدولة.
بدوره، قال الخبير الأمني حميد العبيدي إن “الحكومة العراقية والسلطات القضائية تمتلكان أكثر من مسار قانوني وأمني للتعامل مع الفصائل التي ترفض الانخراط في مشروع حصر السلاح، وقد حرصت الدولة حتى الآن على منح فرص واسعة للحوار والتفاهم، إلَّا أن استمرار بعض الجماعات في تحدي قراراتها سيجعل الخيارات القانونية أكثر حضوراً خلال المرحلة المقبلة”.
وأضاف لـ”إرم نيوز” أن “أي جماعة تواصل الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار الدولة أو تستخدمه بصورة تهدد الأمن الداخلي أو العلاقات الخارجية للعراق، فإنها قد تضع نفسها أمام إجراءات قضائية وأمنية متصاعدة؛ لأن الدولة لا تستطيع السماح بوجود مراكز قوة موازية لمؤسساتها الرسمية”، مشيراً إلى أن “الهدف لا يتمثل في الصدام بحد ذاته، وإنما في فرض سيادة القانون، لكن إذا فرضت بعض الجماعات المواجهة برفضها الانصياع للقانون، فإن مؤسسات الدولة ستكون مضطرة للتعامل معها وفق الدستور والتشريعات النافذة”.
ويرى مختصون أن نجاح الحكومة في استكمال ملف حصر السلاح سيحدد شكل المرحلة الأمنية المقبلة في العراق، ولا سيَّما بعد الاتفاقات الأخيرة مع الولايات المتحدة بشأن مرحلة ما بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي؛ إذ أصبح احتكار الدولة للسلاح أحد أهم الاستحقاقات الداخلية التي ستنعكس على الاستقرار السياسي والأمني، وعلى طبيعة العلاقات الأمنية الخارجية خلال المرحلة المقبلة.
زيارة واشنطن
وخلال زيارته الرسمية إلى واشنطن، وضع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ملف حصر السلاح في صدارة رسائله السياسية، مؤكداً خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي المؤتمر الصحفي المشترك، أن حكومته اتخذت قراراً نهائياً بحصر السلاح بيد الدولة، وأن القوات الأمنية العراقية باتت قادرة على حماية البلاد دون الحاجة إلى وجود أي تشكيلات مسلحة خارج المؤسسات الرسمية بعد الـ30 من سبتمبر/ أيلول المقبل، مشيراً إلى أن “عدداً من الفصائل سلّم بالفعل كميات من أسلحته، وأن الفصائل التي تتحول إلى العمل السياسي ستجد شريكاً في الدولة، فيما لن يُسمح لأي جهة بالاحتفاظ بالسلاح خارج إطار القانون، في رسالة عكست تمسك بغداد بالمضي في تنفيذ هذا الملف رغم التحديات القائمة”.
وبرغم تبني بعض هذه الجماعات خطاباً يعلن الولاء العقائدي والسياسي لإيران، وانخراطها في الصراع الإقليمي الأخير، واتهامها بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ داخل العراق وخارجه، فضلاً عن رفضها الامتثال لقرارات الدولة المتعلقة بحصر السلاح، فإن السلطات العراقية لم تُقدم حتى الآن على تصنيف أي منها جماعات محظورة، واكتفت حتى الآن بمسار الحوار والإجراءات القانونية التدريجية، في محاولة لتجنب أي مواجهة داخلية قد تهدد الاستقرار الأمني والسياسي.