اخبار

غزة… خطط خطيرة للاستيطان ومخاوف من التغيير الديموغرافي

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
غزة… خطط خطيرة للاستيطان ومخاوف من التغيير الديموغرافي

غزة ـ «القدس العربي»: بينما تزداد الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة خطورة، بسبب استمرار الاستهدافات الدامية وتصعيد وتيرتها، بالتزامن مع توسيع نطاق السيطرة على أراضي القطاع، من خلال قوة النار، كشف النقاب عن مخطط إسرائيلي جديد لإقامة بؤر استيطانية ذات طابع عسكري، وهو أمر عززته قوات الاحتلال بتصعيدها عمليات التدمير والنسف لما تبقى من مبان تقع خلف «الخط لأصفر»، بما يشير إلى استمرار خطط الاحتلال تجاه غزة، غير مكترثة لدعوات التهدئة والانتقال إلى المرحلة الجديدة من الاتفاق.

تصعيد في
القتل والتدمير

وبالرغم من جولات المباحثات التي استضافتها القاهرة خلال الأسابيع الماضية، وبحثت الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن إسرائيل كانت ترد باستخدام لغة التصعيد العسكري، وتتعمد زيادة حجم الهجمات والمجازر خلال وجود وفود الفصائل الفلسطينية في القاهرة لإجراء النقاشات حول التهدئة.
فلم يمر يوم من أيام الأسبوع الماضي إلا وترتكب فيه المجازر، التي كانت تركز على مناطق النزوح الإنساني، والمناطق القريبة من حدود «الخط الأصفر» الذي يلتهم نحو 70 في المئة من مساحة قطاع غزة، ويبقي أكثر من 2 مليون مواطن يقيمون في مناطق ضيقة تفتقر لكل الخدمات الإنسانية.
هذه الهجمات استهدفت خياما للنازحين وورشا صناعية بصواريخ ثقيلة، وكان أعنفها تلك التي استهدفت نقطة شرطية شمال قطاع غزة، نجم عنها ارتقاء سبعة مواطنين بينهم ضابط برتبة عقيد شمال غزة، ضمن مساعي إسرائيل لإثارة المزيد من الفوضى في قطاع غزة.
وأقرت صحيفة «هآرتس» في تقرير لها، أنه منذ بداية العمل باتفاق وقف إطلاق النار، قتل سلاح الجو 274 طفلا، بما يعني أن إسرائيل تقتل طفلا فلسطينيا في غزة كل يوم.
مجمل هذه الهجمات ترافقت مع تصعيد خطير لعمليات نسف المنازل التي نفذتها قوات الاحتلال في مناطق تقع خلف «الخط الأصفر»، فكان يسمع بشكل متتالي أصوات انفجارات ضخمة بعد تفجير قوات الاحتلال المباني هناك بالألغام، ضمن مخطط الهدف منه مسح تلك المباني بالكامل، في دلالة على استمرار سلطات الاحتلال في تنفيذ مخططات بقاء السيطرة، وإقامة المستوطنات والثكنات العسكرية، وتنفيذ خطط التهجير القسري لسكان غزة، خاصة وأن هذه الهجمات وقعت في الوقت الذي كانت فيه قوات الاحتلال تستهدف المناطق القريبة من «الخط الأصفر»، بهدف دفع السكان هناك للمغادرة، ومن ثم توسعة نطاق السيطرة أكثر وأكثر.

إحصائيات صادمة

وبين حجم الدمار والمجازر، في تقرير جديد أصدره المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بين أن قوات الاحتلال ارتكبت 3689 خرقاً للاتفاق، نجم عنها 1122 شهيداً و3599 مصاباً، وكذلك اعتقلت خلال هذه الفترة 142 مواطنا، وبخصوص المساعدات الإنسانية، بين أنه دخل إلى قطاع غزة 58.664 شاحنة فقط من أصل 165.000 شاحنة كان يفترض دخولها حتى اليوم، بنسبة التزام لم تتجاوز 35 في المئة، أما بخصوص حركة السفر، فقد سمح الاحتلال بسفر 8.878 مسافر فقط من أصل 24.000 كان يفترض تمكينهم من السفر منذ أن تم الاتفاق على فتح معبر رفح البري، بنسبة التزام بلغت 36 في المئة، وقد أدان المكتب بأشد العبارات سياسة الاحتلال المنهجية في استهداف وإبادة الشعب الفلسطيني وسياسة القتل المستمرة بلا توقف، وحمل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، وطالب الوسطاء والجهات الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار بإلزام الاحتلال بتنفيذ جميع بنود الاتفاق ووقف انتهاكاته المتواصلة.
وترافق ذلك مع تقرير إسرائيلي لإذاعة الجيش، أكد أن الجيش يوسع نطاق عملياته بقطاع غزة، في ظل ما وصفته بوقف إطلاق النار في لبنان وعدم مشاركة تل أبيب في الهجمات الأمريكية على إيران، وأوضح التقرير أنه في ظل هذا الوضع «تبرز غزة حاليا باعتبارها ساحة العمليات الرئيسية للجيش الإسرائيلي».
وفي دلالة على الخطط الإسرائيلية التي تتنافى مع اتفاق وقف إطلاق النار، الذي ينص على وجوب انسحابها من قطاع غزة، كشف وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال جولة في المناطق التي يحتلها جيشه شمال قطاع غزة، عن خطط جديدة للاستيطان، بعد أن تفاخر بحجم الدمار الكبير الذي أحدثه جيشه في غزة، وقال إن ذلك جاء «نتيجة سياسة مدروسة»، وقال إن مشاهدته للدمار تمنحه شعورا جيدا.
في تلك الجولة العسكرية أعلن كاتس إنه يعتزم إقامة 3 بؤر استيطانية ذات طابع عسكري في القطاع، وعن خطط جيشه قال «بدلا من أسلوب المداهمة الدخول والخروج، أصبح الجيش الإسرائيلي في الداخل، والمخربون في الخارج، والمنازل مدمرة»، وكان أكثر ما كشف عنه خطورة خلال هذه الجولة، إعلان كاتس أنه يريد إقامة «وجود إسرائيلي» شمال غزة، حيث جاءت هذه التصريحات مشابهة لما كشف عنها من قبل الوزير المتطرف بتسلئيل شموترتش، حين أعلن عن خطط بناء استيطاني في داخل غزة، وقال إنه ينتظر موافقة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
وبشكل علني قال كاتس وفقا لما نقلته الصحافة العبرية «إنه ينوي إقامة 3 أماكن، في المواقع التي كانت قائمة في شمال قطاع غزة قبل الانسحاب الإسرائيلي منه عام 2005، وقد زعم أن هذه الخطوة ضرورية من الناحية الأمنية، وأن من شأن ذلك أن يعزز السيطرة والدفاع عن البلدات.
وفي هذا السياق، حذر مركز غزة لحقوق الإنسان، من أن توسيع المناطق العسكرية، وتدمير مقومات الحياة الأساسية، واستهداف مصادر المياه، وإقامة مراكز إيواء في مناطق تخضع لسيطرة الاحتلال، «يكشف عن سياسة متكاملة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي في قطاع غزة بالقوة، وخلق ظروف معيشية تدفع السكان إلى النزوح القسري»، مطالبا برفض أي ترتيبات أو مشاريع إنسانية تستخدم غطاءً لإعادة توزيع السكان أو تكريس التقسيم الجغرافي لقطاع غزة.
أما حركة «حماس» فقد ردت على كاتس، بالتأكيد على أن هذه المخططات «تكشف مجدداً عقلية التهجير والتطهير العرقي، التي تحكم قادة الكيان الصهيوني المجرم، وبأن الاحتلال ماضٍ في مخططاته لتهويد الأرض الفلسطينية، في تجاهلٍ واستخفافٍ تام بالقانون الدولي وبقرارات الأمم المتحدة»، وأن هذه النوايا تضع الوسطاء الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار، بمن فيهم إدارة الرئيس ترامب، أمام مسؤولياتهم «في الوقوف أمام هذا التحدي الصهيوني الوقح، القائم على فرض الوقائع على الأرض»، لافتة إلى أن ابداءه الارتياح لمشاهد الدمار في غزة بفعل آلة الحرب «يُشكل دليلاً إضافيا على وجود النية المسبقة لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ضد شعبنا الفلسطيني في غزة».

مفاوضات التهدئة

وخلال الأيام الماضية، التي شهدت وجود وفد من حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في القاهرة، للبحث مع الوسطاء في تطوير الاتفاق والانتقال إلى المرحلة الثانية، والتي تتطلب انسحابا إسرائيليا من قطاع غزة، كانت إسرائيل تتشدد في مطالبها لإفشال هذه الجهود، فلم تورد ردها على آخر المقترحات حتى بعد مكوث الوفد مدة زادت عن الخمسة أيام، ولتبقي الجمود أكثر على هذه المحادثات.
وكانت إسرائيل في آخر ردودها أعادت التفاوض حول تطوير الاتفاق إلى «نقطة الصفر»، بعد أن وضعت جملة من الشروط الجديدة، التي تخالف ما ذهب إليه الوسطاء وممثلو «مجلس السلام»، حين استمرت في شرط «نزع سلاح المقاومة»، رغم وجود صيغة أخرى قدمت، كما لا تزال ترفض استمرار عمل موظفي غزة.
وفي هذا السياق، قال مصدر في «حماس» لـ«القدس العربي»، إن وفد الحركة برئاسة الدكتور خليل الحية، الذي وصل نهاية قبل الأسبوع الماضي، أجرى عدة لقاءات مع الوسطاء، بحثت مجملها في رد الحركة الأخير على ورقة مبعوث مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، التي قدمت بهدف الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، لافتا إلى أن حماس أعطت ردودا إيجابية على الورقة، مع بعض الملاحظات التي قدمت، خاصة وأن موقف الحركة الأولي في الاجتماع السابق مع ملادينوف، لاقى قبولا من المسؤول في «مجلس السلام» والوسطاء.
وأكد أن «حماس» قدمت موقفا يقوم على الموافقة على الربط بين تنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى من الاتفاق، الذي لا تزال إسرائيل تتشدد إزاء تنفيذه، والانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، شرط أن يكون هناك ما يلزم إسرائيل بالتنفيذ وفق جدول زمني محدد، وأشار إلى أن «حماس» والفصائل الشريكة معها في المفاوضات، مستعدة للتوقيع الفوري على الاتفاق الجديد، لكنها طلبت من ملادينوف بعد جولة المباحثات قبل الأخيرة بحضور الوسطاء، أن تجري إسرائيل مع بدء الاتفاق الجديد وقفا كاملا للهجمات على غزة، ورفع الحصار وفقا للبروتوكول الإنساني، وانسحابا فوريا من المناطق التي وسعتها والتي تجاوزت «الخط الأصفر»، على أن يشمل ذلك انسحابا من مناطق قطاع غزة المحتلة، وفقا لبنود المرحلة الثانية.
أما القيادي في «حماس» محمود مرداوي، فقال إن الحركة ستواصل الانخراط في المفاوضات ولن تغادر طاولة التفاوض، وذلك لإتاحة المجال أمام الوسطاء والدول القادرة على الضغط على إسرائيل لتثبيت وقف إطلاق النار، لافتا إلى أن هناك اتفاقاً على غالبية بنود المفاوضات، لكنه قال لا يمكن اعتبار أي اتفاق منجزاً ما لم يوقع عليه الاحتلال الإسرائيلي وتتوفر ضمانات حقيقية لتنفيذه، وشدد مرداوي على أن العقبة الأساسية تكمن في الموقف الإسرائيلي، وقال إنه «لا يزال هو المعطل للمفاوضات»، مجدداً تأكيد الحركة على رغبتها في استكمال ما تم التوافق والاتفاق عليه، ولا سيما تنفيذ المرحلة الأولى بكل بنودها وتفاصيلها، وفي مقدمتها البروتوكول الإنساني.
وقال وهو يشرح ما الذي يحدث في المباحثات «إسرائيل توافق ولا تلتزم، وتوقع ولا تنفذ»، وقال إنها تطرح مطالب لا يمكن القبول بها، مؤكداً أن التوصل إلى اتفاق خلال الأيام المقبلة يبقى ممكناً إذا تعرض الاحتلال لضغوط حقيقية، لأن المشكلة تكمن في الموقف الإسرائيلي وليس في المفاوضات.

تدهور خطير

هذه الأوضاع التي يخلها استمرار إسرائيل في التهرب من استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرارها في تشديد الحصار إلى جانب عمليات القتل والتدمير المستمرة، زادت من خطورة الأوضاع الإنسانية المعيشية، وفي هذا السياق، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، إن العمليات الإنسانية في غزة «لا تزال مقيدة» بسبب انعدام الأمن، وقيود الوصول التي تفرضها إسرائيل، ونقص التمويل، ونقل تحذير الشركاء في المجال الصحي من أن تقديم الخدمات الطبية «لا يزال يواجه قيودا نتيجة نقص الوقود وزيوت المولدات وقطع الغيار والمستلزمات، أو ارتفاع تكلفتها»، وعن الواقع الطبي قال، الأسبوع الماضي شهد تسجيل أكثر من 18 ألف حالة جديدة من «جدري الماء»، والإصابة بالطفيليات الخارجية، والقوباء وهي عدوى جلدية بكتيرية.
أما المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، فأكد على وجوب حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية في جميع الأوقات بموجب القانون الدولي الإنساني، وأشار في تصريحات نقلها موقع الأمم المتحدة إلى حوادث شملت غارات جوية، وحالات نزوح جديدة مرتبطة بالعمليات العسكرية، وقيودا على الحركة، فضلا عن حوادث في المنطقة المحيطة بما يسمى «الخط الأصفر»، وحرائق في مراكز الإيواء، وفيضانات ناجمة عن مياه الصرف الصحي.
ومع استمرار تشديد إجراءات النزوح، حذرت وزارة الصحة في غزة، من خطر توقف عمل عربات الإسعاف بسبب الحصار المشدد على غزة، وأطلقت الوزارة تحذيرا أخيرا بوصولها إلى «الشلل التام»، الذي يهدد قطاع النقل والإسعاف، بعد أن تحولت المركبات المتبقية إلى ركام متهالك لم يعد صالحاً للاستخدام اليومي، ما يهدد بقطع شريان الحياة بين المرضى والمستشفيات، في الوقت الذي تصارع فيه أيضا المنظومة الصحية للبقاء على قيد الحياة، وقالت إنه من أصل 82 مركبة إسعاف تمتلكها، خرجت 39 مركبة عن الخدمة كلياً، بينما تتواجد 17 مركبة بحاجة لصيانة عاجلة.
وعن الأوضاع الإنسانية المتردية، سلط تقرير حقوقي جديد الضوء على «الأزمة المائية غير المسبوقة» في قطاع غزة، التي تهدد حياة أكثر من مليوني مواطن، وتهدر كرامتهم الإنسانية، بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال الوقود والمعدات ومواد الصيانة اللازمة، نتيجة الآثار الكارثية لحرب الإبادة، وما خلفته من تدمير واسع طال منظومة المياه.
ويوضح التقرير الذي أعده المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن أزمة المياه في قطاع غزة تجاوزت حدود النقص الطارئ في الإمدادات، لتتحول إلى سياسة حرمان ممنهجة ومدروسة، وخطيرة، حيث يحُرِم نحو 85 في المئة من السكان من الوصول المنتظم إلى المياه النظيفة، وأوضح المركز أن إجمالي إنتاج المياه في قطاع غزة انخفض إلى نحو 150 ألف متر مكعب يومياً، مقارنة بنحو 300 ألف متر مكعب يومياً قبل الحرب، وأكد المركز أن الأوضاع تزداد قسوة في مخيمات ومراكز النزوح، حيث يحصل الفرد في كثير من المواقع على أقل من 5 لترات يومياً، وهي كمية شحيحة لا تلبي الحد الأدنى الإنساني المعتمد في حالات الطوارئ (15 لتراً يومياً)، وتتضاءل تماماً أمام معايير منظمة الصحة العالمية التي توصي بـ 100 لتر يومياً للفرد في الظروف الطبيعية لضمان النظافة والصحة العامة.
ويشير التقرير إلى أن البلديات ومصلحة مياه بلديات الساحل تواجه تحديات تشغيلية غير مسبوقة بسبب النقص الحاد في مصادر الطاقة، والاعتماد على مولدات متهالكة تعمل لساعات محدودة، يسبب نقص الوقود، وزيوت المحركات، ومادة الكلور المعقمة، وقطع الغيار، وأوضح أن منظومة المياه في قطاع غزة، تعرضت منذ بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023، لعمليات تدمير واسعة ومنهجية طالت 89 في المئة من مكوناتها الأساسية.