اخبار

خصومات نفط البصرة.. مليارا دولار شهرياً ثمن غياب أسطول ناقلات عراقي

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
خصومات نفط البصرة.. مليارا دولار شهرياً ثمن غياب أسطول ناقلات عراقي

خام برنت يباع اليوم بحوالي 85 دولاراً للبرميل، لكن العراق يبيع جزءاً من نفطه بأقل من سعره المفترض بنحو 19 دولاراً للبرميل الواحد. هذا التنازل ليس نتيجة تفاوض تجاري، بل كلفة يتحملها ثاني أكبر منتج في أوبك للحفاظ على زبائنه، بعدما رفعت الأزمة كلفة شحن النفط العراقي والتأمين عليه.

شركة تسويق النفط العراقية «سومو» عرضت على المشترين المتعاقدين خصومات عن أسعار البيع الرسمية تراوحت بين 14 و16 دولاراً للبرميل على خام البصرة المتوسط، وبين 16.80 و18.80 دولاراً على خام البصرة الثقيل لشحنات يوليو، وفق ما نقلته رويترز عن مصادر تجارية. الخصومات الأوسع ذهبت للشحنات المحملة بين 1 و5 يوليو، وتضيق تدريجياً للشحنات اللاحقة حتى نهاية الشهر.

القصة خلف الخصم أوضح من أي بيان رسمي. قبل أسبوع من عرض الخصومات، طرحت سومو مناقصة لبيع شحنات يوليو فلم تجتذب اهتماماً كافياً، لأن التجار واجهوا صعوبة في حجز ناقلات لنقل الشحنات العراقية مع قفزة أقساط تأمين مخاطر الحرب إلى نحو 4% من قيمة السفينة لسبعة أيام، مقابل 0.001% قبل الأزمة، بحسب صحيفة ذا ناشيونال.

ثمن الحفاظ على المشتري

الخصم، بقراءة علي جبار، المختص بإدارة الأزمات، ليس سياسة بيع بقدر ما هو كلفة لاستعادة الثقة. يقول لإرم بزنس إن اضطرابات الملاحة دفعت بعض المشترين إلى «إعادة تقييم مصادر التوريد والبحث عن بدائل أكثر استقراراً»، وإن خسارة المشتري في سوق النفط «لا تعني فقط فقدان شحنة واحدة، بل قد تعني فقدان علاقة تجارية طويلة الأمد، لأن المصافي تبني خططها على أساس استقرار الإمدادات وتكلفة المخاطر».

كم يكلف هذا الخصم فعلياً؟ يرى جبار أن العراق يصدر في الأوضاع الطبيعية نحو 3.3 ملايين برميل يومياً. عند هذا المستوى، كل دولار واحد يتنازل عنه العراق في سعر البرميل يعني نحو 100 مليون دولار تخرج من جيب الخزينة كل شهر. فإذا كان الخصم 10 دولارات، تصبح الخسارة مليار دولار شهرياً.

وإذا طبق الخصم الأقصى البالغ 18.80 دولاراً على كل الصادرات، تقترب الفاتورة من ملياري دولار في الشهر الواحد. وكل ذلك قبل إضافة تكاليف أخرى تدفعها بغداد جراء الأزمة، من أجور الناقلات المرتفعة إلى أقساط التأمين وتأخر الشحنات.

المليارا دولار سيناريو أقصى، لأن العراق لا يصدر حالياً كامل الكمية المعتادة، والخصومات لا تشمل كل الشحنات. لكن حتى بحساب متحفظ، لو صدّر العراق مليون برميل واحد يومياً بخصم 15 دولاراً، فالخسارة 450 مليون دولار في الشهر.

الخسارة الأكبر هي النفط الذي لم يُبع أصلاً: منذ توقف الملاحة في المضيق نهاية فبراير، فات العراق بيع نحو 350 مليون برميل قيمتها 37.7 مليار دولار، بحسب تقديرات مرصد إ«يكو عراق» الاقتصادي. 

إخفاق عمره 23 سنة

لماذا ينتقل الخطر الجيوسياسي مباشرة إلى سعر البرميل العراقي؟ الإجابة عند خالد الجابري، رئيس مؤسسة أصول للتطوير الاقتصادي والتنمية المستدامة، تبدأ من نقطة ضعف واحدة: العراق لا يملك أسطول نقل.

«فرق الخصومات سببه عدم وجود بنية تحتية للنقل»، يقول الجابري لـ«إرم بزنس»، محملاً شركة نقل المنتجات النفطية مسؤولية «إخفاق واضح خلال 23 سنة» في بناء أسطول حقيقي «لبلد من أصحاب الاحتياطيات الخمسة الأولى في العالم، وميزانيته تعتمد بأكثر من 90% على الريع النفطي».

ويضيف أن الخصومات نفسها لم تحل المشكلة: «رغم هذه الخصومات، النفط يجد صعوبة في نقله بسبب المشاكل الجيوسياسية في المنطقة”، داعياً الشركة إلى “ابتكار حلول جديدة من خلال توزيع منافذ النقل».

جبار يصل إلى الخلاصة ذاتها من زاوية إدارة الأزمات: غياب الأسطول الوطني يعني أن الدولة لا تستطيع امتصاص أي جزء من الصدمة، فتنتقل كلفة الأزمة كاملة إلى سعر البيع وكلفة النقل والتأمين ثم إلى الإيرادات النهائية.« الأمن النفطي لا يعني فقط إنتاج البرميل، بل القدرة على نقله وتسويقه وحماية قيمته» بحسب جبار.

مقر شركة تسويق النفط العراقية «سومو»المصدر: موقع الشركة

الرواتب.. والعد التنازلي في البنك المركزي

هنا تتحول الأرقام التجارية إلى مسألة سياسية. الدولة العراقية ملزمة بدفع نحو 6 مليارات دولار كل شهر رواتب ومعاشات وحماية اجتماعية، بحسب جبار. ومصدر هذا المال، بنسبة 90%، هو النفط نفسه الذي يباع اليوم بخصم. والمفارقة أن الحكومة بنت موازنة 2026 على سعر 60 دولاراً للبرميل ظناً أنه رقم حذر، فإذا به يقترب من السعر الذي تقبضه فعلاً عن برميل البصرة الثقيل بعد الخصم.

الجابري يضع سقفاً زمنياً صريحاً: «مواجهة الرواتب ستكون شديدة إذا لم يحقق البلد إنتاجاً نفطياً. البنك المركزي يمكنه أن يغطي حتى نهاية هذه السنة، لكن لا يمكنه الاستمرار بهذه العملية».

وماذا بعد نهاية السنة؟ يكشف الجابري أن من الطروحات المتداولة لسد العجز تخفيض سعر صرف الدينار، أي أن تحصل الحكومة على دنانير أكثر مقابل كل دولار نفطي فتتمكن من دفع الرواتب، على أن يدفع المواطن الثمن غلاءً في المستوردات.

ويشترط الجابري أن يترافق أي تغيير في سعر الصرف مع حذف أصفار من العملة، موضحاً أن حذف الأصفار «ليس فعلاً اقتصادياً بل فعل تنظيمي» يسهل حسابات الموازنة التي تصبح من دونه “عملية معقدة محاسبياً.

في سنة انتخابية، لهذا التوقيت وزن إضافي. يذكّر جبار بتجربة تأخر رواتب إقليم كردستان التي أظهرت أن مشكلة الرواتب «لا تبقى اقتصادية فقط، بل تتحول بسرعة إلى أزمة ثقة بين المواطن والدول». ويرى في المقابل أن الأزمة قد تفتح باباً لإصلاحات طال تأجيلها، من تدقيق منظومة الرواتب ومنع الازدواج والوظائف الوهمية إلى تخفيض الهدر في الإنفاق الجاري.

«خصم سومو ليس المشكلة بحد ذاته»، يختم جبار، بل« هو مؤشر على مشكلة أكبر: اقتصاد يعتمد على مورد واحد لتمويل دولة ذات التزامات كبيرة. العراق لا يحتاج فقط إلى بيع النفط، بل إلى بناء دولة تستطيع الصمود عندما يصبح النفط نفسه رهينة للجغرافيا السياسية».

أسعار البيع الرسمية لشحنات أغسطس، المنتظرة خلال أيام، ستقدم أول اختبار: إن ضاقت الخصومات فالمشترون عادوا، وإن اتسعت فالعد التنازلي الذي حدده الجابري لنهاية السنة يجري أسرع مما تحتمله موازنة بُنيت على 60 دولاراً.