يكثف مسعد بولس مستشار الرئيس الاميركي لشؤون افريقيا والشرق الاوسط جهودا دبلوماسية مكثفة بهدف تقريب وجهات النظر بين القوى المتصارعة في شرق ليبيا وغربها. وتأتي هذه التحركات في سياق مساع اميركية لفرض استقرار سياسي بعيدا عن المسارات الانتخابية المتعثرة التي ينتظرها الشارع الليبي منذ سنوات طويلة. وتسعى الخطة الاميركية الى جمع الفرقاء على طاولة واحدة لضمان مصالح اقتصادية كبرى وتوحيد المؤسسات المنقسمة.
واضاف بولس في اطار تحركاته الاخيرة انه التقى عددا من القادة السياسيين والعسكريين في طرابلس وبنغازي لبحث ملامح المبادرة المقترحة التي تهدف الى انهاء حالة الانقسام القائمة. وشدد على ان المقترح يظل ليبيا بامتياز مع التزامه الصمت حول التفاصيل الدقيقة التي يتم تداولها في كواليس الدبلوماسية الدولية. وبينت التقارير ان السيناريو المطروح قد يمنح رئيس الحكومة الحالي عبد الحميد الدبيبة فرصة البقاء في منصبه مقابل تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي.
واكد مراقبون ان هذه الخطة تثير جدلا واسعا في الاوساط السياسية الليبية خاصة مع الترحيب الذي ابدته قوات شرق ليبيا للمبادرة التي وصفتها بالواقعية. واوضح المحللون ان هذا التحرك الاميركي قد يؤدي فعليا الى تأجيل الانتخابات الوطنية مرة اخرى لصالح تسوية بين النخب الحاكمة. واشار بولس الى ان الهدف من هذه المرحلة الانتقالية هو توحيد المؤسسات السيادية والمالية في البلاد لفترة زمنية محددة لا تتجاوز بضع سنوات.
ابعاد استراتيجية وطموحات اقتصادية
وكشفت تصريحات بولس لوسائل اعلام دولية ان واشنطن تنظر الى ليبيا كفرصة اقتصادية واعدة يمكن من خلالها مضاعفة انتاج النفط ليصل الى ثلاثة ملايين برميل يوميا قبل نهاية العقد الحالي. واضاف ان الادارة الاميركية تشجع الشركات الكبرى على العودة للاستثمار في السوق الليبي لتعزيز مكانة البلاد كلاعب رئيسي في سوق الطاقة العالمي. وبينت المعطيات ان التنسيق الامني والعسكري بين واشنطن والاطراف الليبية قد شهد تقدما ملحوظا في الفترة الماضية عبر مناورات مشتركة ولقاءات رفيعة المستوى.
واكد مسؤولون في الخارجية الاميركية ان العمل في الملف الليبي يتم بحذر وتدرج لضمان عدم حدوث انتكاسات امنية جديدة. واضافوا ان اقرار ميزانية موحدة للبلاد يمثل خطوة ايجابية نحو الاستقرار المالي الذي تنشده المؤسسات الدولية. واشاروا الى ان اللقاءات التي جمعت مسؤولين ليبيين بوزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو تعكس رغبة واشنطن في الانخراط المباشر لحل الازمة.
ووضح خبراء في العلاقات الدولية ان الرهان الاميركي على الشخصيات المسيطرة على الارض هو سلاح ذو حدين. واضافوا ان نجاح الخطة مرهون بقدرة الاطراف على التوافق وهو امر يبدو صعب المنال في ظل وجود تحفظات قوية في غرب ليبيا على بعض الشخصيات المرشحة. واكد المحللون ان هذه المبادرة قد تكون مجرد انفجار مؤجل للازمات الهيكلية اذا لم تحظَ بدعم شعبي واسع يتجاوز مصالح النخب السياسية الحالية.
مخاطر التسوية السياسية
وبين المنتقدون للمبادرة ان الاعتماد على تفاهمات بين اطراف متصارعة قد يؤدي الى انهيار سريع في حال اهتزت التوازنات الهشة. واضافوا ان التناقضات بين اللاعبين في المشهد الليبي لا تزال عميقة وتتطلب حلولا جذرية بدلا من الصفقات السياسية المرحلية. واكدوا ان اي حل لا يراعي التطلعات الشعبية للانتخابات سيواجه عقبات جسيمة على المدى البعيد.
واوضح بولس في تصريحاته ان الوضع في غرب ليبيا يتسم بالتعقيد لكنه يظل منفتحا على كافة المكونات السياسية والاجتماعية. واضاف ان المبادرة لا تستثني احدا وتدعو الجميع للمشاركة في صياغة المستقبل السياسي للبلاد. وشدد على ان الولايات المتحدة ستستمر في دعم جهود الاستقرار لضمان وحدة ليبيا وسيادتها.
واظهرت التطورات الاخيرة ان ليبيا تقف امام مفترق طرق حاسم بين القبول بصفقات النخب او التمسك بالمسار الديمقراطي والانتخابي. واضاف المتابعون ان الايام القادمة ستكشف مدى قدرة الادارة الاميركية على اقناع الاطراف المحلية بالانخراط في هذه المبادرة. واكدوا ان نجاح هذا الرهان سيغير وجه الخريطة السياسية في شمال افريقيا بشكل جذري.