زاد الاردن الاخباري –
خاص – في لحظات الهدوء، قد يبدو الاستقرار أمرًا طبيعيًا. أما في لحظات الاضطراب، فإنه يتحول إلى إنجاز يحتاج إلى إدارة، وإلى قرار، وإلى دولة تعرف جيدًا كيف تعبر الأزمات دون أن تفقد بوصلتها.
وما تشهده المنطقة اليوم لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة دول الإقليم على حماية أمنها الوطني، وصون استقرارها، ومنع امتداد الصراع إلى ساحاتها الداخلية. فكل تصعيد جديد يعيد طرح السؤال ذاته: هل تستطيع دول المنطقة أن تبقى خارج الحرب، أم أن الجغرافيا تفرض عليها أدوارًا لم تخترها؟
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، لم يكن يومًا بعيدًا عن أزمات المنطقة، لكنه نجح عبر عقود في بناء معادلة دقيقة تقوم على حماية مصالحه الوطنية أولًا، والحفاظ على استقراره الداخلي، وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم شعبه ولا مستقبله. ولم يكن ذلك نتيجة الحظ، بل ثمرة سياسة تقوم على قراءة متأنية للمتغيرات، وإدراك أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الرد، بل أيضًا بقدرتها على تجنب ما يمكن تجنبه، والاستعداد لما لا يمكن تجنبه.
اليوم، ومع تصاعد التوترات، تتجه الأنظار إلى قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة مرحلة قد تكون من أكثر المراحل حساسية في السنوات الأخيرة. ففي مثل هذه الظروف، يصبح الأمن مفهومًا أشمل من حماية الحدود؛ فهو يشمل استقرار الاقتصاد، واستمرار الخدمات، وثقة المواطن، وتماسك الجبهة الداخلية، ووضوح الرسائل الرسمية، لأن الحروب الحديثة لا تستهدف الجيوش وحدها، بل تستهدف أيضًا معنويات المجتمعات.
وفي المقابل، فإن المواطن الأردني يدرك أن موقع بلاده يجعلها جزءًا من إقليم شديد التعقيد، لكنه يتطلع في الوقت نفسه إلى أن تبقى الأولوية المطلقة هي حماية الوطن، وتجنيبه كلفة صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. وهذا التطلع ليس تعبيرًا عن رغبة في الابتعاد عن قضايا المنطقة، بل عن قناعة بأن قوة الأردن تبدأ من استقراره، وأن استقراره هو الركيزة التي تمكنه من أداء دوره السياسي والإنساني والإقليمي.
إن المرحلة الحالية تتطلب أعلى درجات المسؤولية، ليس من مؤسسات الدولة فحسب، بل من الجميع. فالشائعات في زمن الأزمات قد تكون أخطر من بعض الصواريخ، والمعلومات غير الدقيقة قد تزرع القلق أكثر مما تزرعه الوقائع نفسها. ومن هنا، تصبح الكلمة المسؤولة، والمعلومة الموثقة، والوعي الوطني، جزءًا من منظومة الأمن الوطني.
ولعل الدرس الأهم الذي تفرضه تطورات المنطقة هو أن الاستقرار لا يُمنح للدول، بل يُصنع كل يوم، بالقرارات الحكيمة، وبالمؤسسات القوية، وبثقة المواطنين بدولتهم. وحين تكون المنطقة بأسرها أمام اختبار صعب، فإن قدرة الأردن على الحفاظ على توازنه ليست مجرد نجاح سياسي، بل مسؤولية وطنية تستحق أن تتكاتف من أجلها جميع الجهود.
وفي النهاية، قد لا يملك الأردن القدرة على تغيير جغرافيا المنطقة، لكنه يملك القدرة على إدارة موقعه فيها بعقل الدولة، لا بردة فعل اللحظة. وبين ضجيج الحرب، يبقى الرهان الأكبر أن يظل الوطن واحة استقرار، وأن تبقى مصلحته العليا هي البوصلة التي لا تحيد.