كلما تصاعد الحديث عن المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ينشغل العالم بتحليل الرابح والخاسر. البعض يركز على مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآخرون يتحدثون عن تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بينما ينشغل آخرون بمصير النظام الإيراني نفسه. لكن وسط هذا الجدل يبرز سؤال لا يقل أهمية: ماذا سيجني العرب من هذه الحرب؟
قد يختلف العرب مع سياسات إيران، وقد تحمّل كثير من الدول العربية طهران مسؤولية جزء كبير من أزمات المنطقة خلال العقود الماضية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن أي حرب واسعة ضد إيران ستكون في مصلحة العرب، لأن الحروب لا تقاس فقط بمن يبدأها أو بمن ينتصر فيها، وإنما بمن يدفع ثمنها ويتورط فيها رغماً عنه.
فالعالم العربي هو الساحة الجغرافية التي تدور فيها معظم تداعيات هذه الحرب. وإذا كانت الولايات المتحدة بعيدة بآلاف الكيلومترات، وإيران تمتلك عمقاً جغرافياً كبيراً، فإن الدول العربية تقع في قلب الميدان، وهي أول من سيتأثر بأي تصعيد عسكري أمنياً واقتصادياً واجتماعياً.
ولعل أول ما يلفت الانتباه أن عدداً من الدول العربية التي أعلنت مراراً أنها لا تريد الحرب، أصبحت جزءاً منها بحكم وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها. هذه القواعد أُنشئت تحت شعار حماية أمن الحلفاء وردع الأخطار، لكنها في أوقات التصعيد تتحول إلى أهداف إيرانية زوراً وبهتاناً، ولا ندري إذا كان هذا أصلاً باتفاق مسبق بين الأمريكي والإيراني لأهداف قد تتضح أكثر في قادم الأيام. وهنا يبرز السؤال: هل أصبحت هذه القواعد توفر الحماية، أم أنها زادت مستوى المخاطر على الدول التي تستضيفها ووضعتها في بوز المدفع؟
وقد عبر كثيرون عن هذه المفارقة بالمثل الشعبي: «جبناك يا عبد المعين تعين، فطلعت يا عبد المعين تنعان». فبدلاً من أن تبعد الخطر، أصبحت بعض الدول تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن قواعد أمريكية موجودة على أراضيها، وفي الوقت نفسه حماية مدنها ومنشآتها الحيوية من أي هجمات انتقامية.
أما الخسارة الثانية فتتمثل في الاقتصاد. فالمنطقة العربية تعتمد بصورة كبيرة على النفط والغاز واستقرار الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز. وأي تهديد لمنابع الطاقة سيضرب الاقتصاديات الخليجية في الصميم، كما أن اضطراب الملاحة في المضائق يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويؤثر في حركة التجارة العالمية. وقد تستفيد بعض الدول النفطية مؤقتاً من ارتفاع الأسعار، لكن التجارب أثبتت أن استمرار الأزمات يضر بالاستثمارات ويؤخر المشاريع التنموية ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي، خاصة إذا طالت منشآت الطاقة، ونرجو ألا يكون ذلك متفقاً عليه مسبقاً بين الأمريكي والإيراني.
ولا يقتصر الأمر على النفط. فالموانئ، والمطارات، وشبكات النقل، وأسواق المال، والسياحة، كلها تتأثر فوراً بمجرد اندلاع حرب إقليمية. المستثمر يبحث عن الاستقرار، والحرب تعني ارتفاع المخاطر وهروب رؤوس الأموال وتأجيل الاستثمارات، وهو ما يدفع المواطن العربي ثمنه في النهاية.
ومن زاوية أخرى، فإن استمرار الحروب يعني استمرار سباق التسلح. فبدلاً من توجيه مليارات الدولارات إلى التعليم والصحة والبنية التحتية والاقتصاد، تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى زيادة الإنفاق العسكري تحسباً لأي تطورات جديدة. وهكذا تتحول موارد كان يمكن أن تصنع مستقبلاً أفضل إلى نفقات أمنية تفرضها ظروف الصراع.
استمرار الأزمات يضر بالاستثمارات ويؤخر المشاريع التنموية ويزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي
وهناك أيضاً الجانب السياسي. فكلما اشتعلت المنطقة، تراجعت قدرة الدول العربية على رسم سياساتها بصورة مستقلة، وأصبحت أكثر ارتباطاً بحسابات القوى الكبرى. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية مصالحها، وإيران تدافع عن مصالحها، وإسرائيل تنظر إلى أمنها القومي، بينما تجد الدول العربية نفسها مطالبة بالتكيف مع معادلات لا تصنعها بالكامل.
كما أن أي حرب واسعة قد تؤدي إلى موجات نزوح جديدة، واضطرابات أمنية، وتوسع نشاط الجماعات المسلحة، وهي تحديات عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية ودفع المواطن العربي كلفتها البشرية والاقتصادية.
ويذهب بعض المحللين إلى أن الصراع لا يقتصر على إيران وحدها، بل يرتبط أيضاً بالمنافسة العالمية بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى. فالشرق الأوسط ما يزال يمثل عقدة أساسية في تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس على الاقتصادات الكبرى. وفي هذه الحالة تتحول المنطقة مرة أخرى إلى ساحة صراع دولي أكثر منها طرفاً يحدد مسار الأحداث.
لكن في المقابل، يرى آخرون أن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية قد يخفف من مستوى التوتر الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية، وأن بعض الدول العربية قد تنظر إلى ذلك باعتباره مكسباً أمنياً. غير أن هذا الطرح يواجه سؤالاً آخر: هل سيؤدي إضعاف إيران إلى استقرار المنطقة فعلاً، أم أنه سيفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى وإعادة توزيع النفوذ؟ التجارب السابقة في العراق وليبيا وسوريا تشير إلى أن إسقاط أو إضعاف قوة إقليمية لا يؤدي تلقائياً إلى الاستقرار، بل قد يخلق فراغاً تستغله أطراف أخرى.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس من سيربح الحرب، بل من سيدفع فاتورتها. والتاريخ الحديث يقدم إجابة واضحة إلى حد كبير. فمنذ حرب الخليج الأولى، مروراً بغزو العراق، ثم الحرب على تنظيم داعش، وانتهاءً بالصراعات في سوريا واليمن، كانت الدول العربية هي الأكثر تحملاً للأعباء الاقتصادية والإنسانية والأمنية، بينما بقيت القوى الكبرى تدير صراعاتها من مسافات بعيدة.
في النهاية، قد تختلف المواقف من إيران وسياساتها، وقد تختلف التقديرات حول أهداف الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن ما يبدو واضحاً هو أن أي حرب واسعة في الخليج لن تكون حرباً بعيدة عن العرب، بل حرباً تدور فوق أرضهم، وتؤثر في اقتصاداتهم، وأمنهم، واستقرارهم. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العرب على أنفسهم ليس: من سينتصر؟ بل: ماذا سنجني نحن من هذه الحرب، وهل ستكون مكاسبها، إن وجدت، أكبر من كلفتها؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون المفتاح لفهم حقيقة الصراع، بعيداً عن شعارات المنتصر والمهزوم، وقريباً من مصالح شعوب المنطقة التي دفعت، وما زالت تدفع، أثمان معظم الحروب التي شهدها الشرق الأوسط.
كاتب واعلامي سوري
[email protected]