مع إعلان رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي قرب إطلاق خطة تنفيذية تستهدف استقرار الأسعار وتخفيف الأعباء المعيشية، عاد ملف الغلاء إلى صدارة الاهتمام، وبرز السؤال الذي يشغل ملايين المصريين: هل تستطيع الحكومة تحويل التحسن في المؤشرات الاقتصادية إلى انخفاض حقيقي في أسعار السلع؟
رؤيتان برزتا في حديث خبيرين لـ«إرم بزنس»، الأولى تعتبر أن زيادة الإنتاج هي العلاج الأكثر استدامة لارتفاع الأسعار، بينما ترى الثانية أن المشكلة تبدأ من السوق نفسه، حيث يلتهم تعدد الوسطاء جزءاً كبيراً من تكلفة السلع قبل وصولها إلى المستهلك.
لكن الخبيرين اتفقا على أن نجاح أي خطة حكومية لن يُقاس بما تحققه من أرقام، بل بما يشعر به المواطن في الأسواق.
استعادة القوة الشرائية
يرى رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ المصري، ناجي الشهابي، أن نجاح الخطة يبدأ باستعادة القوة الشرائية للمواطن، لا بمجرد تحسن معدلات النمو أو انخفاض التضخم أو ارتفاع الاحتياطي النقدي. وقال في تصريحات لـ«إرم بزنس» إن الاقتصاد يحقق هدفه عندما تصبح تكلفة المعيشة أقل، ويتمكن أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة من تلبية احتياجاتهم الأساسية.
ويؤكد امتلاك الحكومة لأدوات متعددة لضبط الأسواق، تشمل تفعيل قوانين حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، وتشديد الرقابة، وسرعة الإفراج عن مستلزمات الإنتاج، وتوفير التمويل للصناعة والزراعة، وخفض تكاليف الإنتاج والنقل، إلى جانب التوسع في المنافذ الحكومية.
لكنه يعتبر أن هذه الإجراءات لن تحقق نتائج مستدامة ما لم تترافق مع زيادة الإنتاج المحلي، باعتباره الضمان الحقيقي لاستقرار الأسعار وتقليل الاعتماد على الخارج.
ويضيف الشهابي أن تحسن المؤشرات الاقتصادية لن ينعكس تلقائياً على المستهلك إذا لم يؤد إلى انخفاض تكاليف الإنتاج والاستيراد، محذراً من أن ضعف المنافسة أو احتفاظ بعض حلقات التداول بمكاسب انخفاض التكلفة قد يحول دون تراجع الأسعار.
كما يرى أن استمرار التوترات الإقليمية يفرض تسريع التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، إلى جانب حماية القوة الشرائية عبر سياسات تشمل السلع الأساسية، والأجور، والحماية الاجتماعية.
مصريون يتناولون وجبة الفول اليومية الشهيرة – 16-01-2025المصدر: رويترز
أدوات تدخّل الأسواق
من جانبه، يرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الله أبو سمرة أن الحكومة تمتلك بالفعل أدوات للتدخل في الأسواق، لكنها ليست جميعها فعالة على المدى الطويل.
ويشير إلى أن التسعير الجبري والحملات الرقابية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، كما أن المنافذ الحكومية، رغم دورها في تخفيف الأعباء، لا تمثل الحل الأمثل إذا جاءت على حساب المنافسة.
ويطرح أبو سمرة تصوراً مختلفاً لدور الدولة، يقوم على الانتقال من «شرطي السوق» إلى «منظم السوق»، عبر ربط المنتجين مباشرة بسلاسل الإمداد وتقليص عدد الوسطاء، مشيراً إلى أن بعض الدراسات تقدر هوامش أرباحهم بأكثر من 40% من سعر السلعة.
كما يدعو إلى تعزيز الشفافية من خلال الإفصاح عن تكاليف الاستيراد والإنتاج، والتوافق مع الشركات الكبرى على توفير السلع الأساسية بهوامش ربح محدودة مقابل حوافز تشغيلية وجمركية.
ويرى كذلك أن نجاح الخطة يتطلب تنسيقاً أكبر بين الحكومة والبنك المركزي، عبر توجيه التمويل نحو المشروعات الصغيرة، والزراعة، والتصنيع الغذائي، بما يزيد الإنتاج المحلي، مؤكداً أن كبح التضخم دون الإضرار بالنمو الاقتصادي يقتضي التمييز بين التضخم الناتج عن زيادة الطلب، وذلك الناتج عن نقص المعروض، لأن علاج الأخير يبدأ بزيادة الإنتاج.
اقتصاد ينتج أكثر
ورغم اختلاف زاوية المعالجة، يلتقي الخبيران عند نتيجة واحدة: خفض الأسعار لن يتحقق بالإجراءات الرقابية وحدها أو بتحسن المؤشرات الاقتصادية فقط، بل يحتاج إلى اقتصاد ينتج أكثر، وسوق أكثر كفاءة، وآليات تضمن وصول ثمار الإصلاح إلى المستهلك.
وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح الخطة هو ما إذا كان المواطن سيشعر بانخفاض أسعار احتياجاته اليومية، لا بما تعكسه البيانات الرسمية وحدها.