تطوى الصفحة الأكثر استقرارًا وجدلًا في تاريخ كرة القدم الفرنسية الحديث، حيث يتهيأ ديدييه ديشامب لخوض مباراته الأخيرة على رأس العارضة الفنية لمنتخب فرنسا ضد إنجلترا لتحديد المركزين الثالث والرابع في كأس العالم 2026.
هذه النهاية، التي تسارعت وتيرتها عقب السقوط المرير ضد إسبانيا بهدفين دون رد في نصف النهائي، لا تمثل مجرد نهاية بطولة، بل هي إعلان رسمي لانتهاء فلسفة تكتيكية هيمنت على “الديوك” لأكثر من عقد.
ومع ترقب تولي الأسطورة زين الدين زيدان دفة القيادة فور إطلاق صافرة الختام للمونديال، يبدو أن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم قد حسم خياره بالانتقال من الواقعية الدفاعية الصارمة إلى حقبة تبحث عن الجمالية والسيطرة واستعادة البريق الفني الذي خبا نسبيًا في الأمتار الأخيرة من عهد ديشامب.
View this post on Instagram A post shared by 365Scoresarabic (@365scoresarabic)
لن يكون قدوم زين الدين زيدان مجرد تغيير في الأسماء على دكة البدلاء، بل هو زلزال هيكلي سيعيد تعريف الأدوار وتحديد من يستحق ارتداء القميص الأزرق بناءً على متطلبات الكرة التي يفضلها “زيزو”.
يعتمد زيدان تاريخيًا على المرونة التكتيكية، والتحولات السريعة، والقدرة على خلق المساحات عبر أطراف ديناميكية وخط وسط يمزج بين القوة البدنية والعبقرية الفنية.
هذا المنظور الجديد سيجعل عملية غربلة القائمة الحالية أمرًا حتميًا لإفساح المجال لجيل جديد يتناسب مع فكره التدريبي، وهو ما يضع العديد من النجوم الحاليين أمام مقصلة الاستبعاد الفني، بينما يفتح الباب على مصراعيه لأسماء شابة طال انتظار حصولها على الفرصة الكاملة.
المقصلة التكتيكية: ثلاثة أسماء خارج حسابات زين الدين زيدان
في مقدمة الأسماء التي من المتوقع أن يطاح بها في عهد زين الدين زيدان يبرز النجم المخضرم نجولو كانتي، رغم التاريخ الحافل والمستويات البطولية التي قدمها كانتي طوال مسيرته الدولية، إلا أن عامل السن وتراجع القدرة على مجاراة الرتم السريع والضغط العالي المستمر يجعلان استمراره خيارًا غير واقعي في منظومة زيدان.
يبحث زيزو دائمًا عن لاعبي وسط يمتلكون قدرة استثنائية على بناء اللعب من الخلف وتوزيع التمريرات الطولية بدقة تحت الضغط، وهي أدوار تبرع فيها حاليًا عناصر شابة؛ بناءً على ذلك، يبدو أن مسيرة كانتي الدولية ستكتب فصولها الأخيرة مع نهاية مونديال 2026، ليفسح المجال لضخ دماء جديدة قادرة على تطبيق التحولات الهجومية السريعة.

الاسم الثاني المرشح بقوة لمغادرة الحسابات هو المهاجم جان فيليب ماتيتا، يمثل ماتيتا نموذج المهاجم الكلاسيكي الكثيف بدنيًا، وهو الأسلوب الذي طالما اعتمده ديشامب في بعض فترات المباريات لكسر التكتلات الدفاعية.
ومع ذلك، فإن فلسفة زين الدين زيدان الهجومية تميل نحو المهاجم المتحرك الذي يجيد النزول لوسط الملعب والمشاركة في صناعة اللعب وتبادل المراكز مع الأجنحة، تمامًا كما كان يفعل كريم بنزيما في ريال مدريد.
افتقار ماتيتا للمرونة التكتيكية والسرعة في المساحات الضيقة سيجعله خارج المنظومة الجديدة تمامًا، حيث سيفضل زيدان الاعتماد على عناصر هجومية أكثر حركية وقدرة على الابتكار الفردي والجماعي.
أما الاستبعاد الثالث المنتظر فسيكون من نصيب الظهير الأيسر لوكاس ديني، على الرغم من خبرته الطويلة، إلا أن ديني يفتقر إلى الميزات الهجومية الحديثة التي تتطلبها خطة زيدان، والتي ترتكز على أظهرة قادرة على التحول كأجنحة حقيقية والقيام بالصعود المستمر لتقديم الزيادة العددية في ثلث الخصم الأخير.
بوجود ثيو هيرنانديز كخيار أساسي لا يمس، يحتاج زيدان إلى بديل بمواصفات تكتيكية مغايرة تمامًا لديني، تتسم بالشباب والحيوية والقدرة على تغطية مساحات شاسعة دفاعيًا وهجوميًا بمرونة أكبر، مما يجعل رحيل ديني عن القائمة الدولية مسألة وقت لا أكثر.
البناء للمستقبل: ثلاثة وجوه جديدة لتجسيد مشروع زيدان
في المقابل، يتصدر الظهير الأيسر لنادي بورنموث، أدريان تروفيرت، قائمة الأسماء المرشحة بقوة للانضمام إلى المشروع الجديد ليكون البديل الاستراتيجي لثيو هيرنانديز.
تروفيرت يمثل النموذج العصري للظهير الذي يبحث عنه زين الدين زيدان؛ فهو يتميز بوعي تكتيكي عالٍ، وقدرة ممتازة على إرسال العرضيات المتقنة، إضافة إلى انضباطه الدفاعي وسرعته في الارتداد.
استدعاء تروفيرت لن يكون مجرد ملء فراغ خلفه ديني، بل سيكون خطوة جادة لبناء عمق تشكيلي قوي يضمن للمنتخب الفرنسي استمرارية الضغط من الجبهة اليسرى طوال التسعين دقيقة دون هبوط في الرتم.
على الصعيد الإبداعي، يبدو النجم الشاب إيلي جونيور كروبي مرشحًا فوق العادة ليكون القطعة الناقصة في خط هجوم الديوك؛ كروبي، بموهبته الفذة وقدرته الفائقة على المراوغة في المساحات الضيقة ورؤيته الثاقبة للملعب، يجسد نوعية اللاعبين الفنيين الذين يعشقهم زيدان ويسعى دائمًا للاستثمار فيهم.

يمتلك هذا الشاب القدرة على اللعب كصانع ألعاب متأخر أو كجناح يدخل لعمق الملعب، وهو ما يمنح زيزو مرونة خططية هائلة تسمح بتنويع مصادر الخطورة الهجومية وعدم الاعتماد الكلي على انطلاقات كيليان مبابي أو مهارة عثمان ديمبيلي.
أخيرًا، يبرز اسم المهاجم الواعد هوجو إيكيتيكي كعنصر جوهري في الخطط المستقبلية للمنتخب الفرنسي تحت قيادة زيدان، رغم غياب إيكيتيكي حاليًا عن القائمة المونديالية بداعي الإصابة، إلا أن عودته لصفوف المنتخب تعد مسألة وقت بمجرد تعافيه الكامل واستعادته للياقته الفنية والبدنية.

يتمتع إيكيتيكي بمزيج فريد من الطول الفارع والرشاقة والقدرة على اللعب كـ “محطة” ممتازة لزملائه، مع امتلاكه للمهارة الفردية التي تمكنه من إنهاء الهجمات بذكاء وهدوء أمام المرمى.
هذا الملف الفني المتكامل يطابق تمامًا رؤية زين الدين زيدان للمهاجم الحديث، وهو ما يجعل إيكيتيكي الخيار الهجومي الأول الذي سيعمل زيزو على إدماجه وتطويره ليكون قائد خط الهجوم الفرنسي في السنوات القادمة.