اخبار

من قلب الدمار في غزة.. صغار يحولون ركام المنازل الى لوحات فسيفساء

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
من قلب الدمار في غزة.. صغار يحولون ركام المنازل الى لوحات فسيفساء

في خطوة تعكس ارادة الحياة وتحدي الواقع القاسي في قطاع غزة، نجحت جمعية الثقافة والفكر الحر في اعادة فتح معمل الفسيفساء الذي توقف نشاطه بسبب ظروف الحرب. وتهدف هذه المبادرة الى احتضان الاطفال واليافعين، ومنحهم مساحة ابداعية للتعبير عن ذواتهم من خلال فن تشكيلي عريق، حيث يتم استغلال بقايا المنازل المدمرة وركام الحجارة التي خلفتها الغارات لتكون المادة الاساسية في انتاج هذه الاعمال الفنية.

واوضحت الجمعية ان هذا الفن لا يقتصر على كونه نشاطا ترفيهيا، بل هو رحلة تعليمية تعتمد على الامكانيات المتاحة التي نجت من الدمار. ويؤكد القائمون على المشروع ان تحويل الانقاض الى قطع فنية يمثل رسالة صمود، حيث يتم تدريب المشاركين على تحويل الحجارة المهشمة الى لوحات تحاكي التاريخ وتجسد الهوية الفلسطينية بكل تفاصيلها الدقيقة.

واشار المختصون الى ان هذه الورشات تسعى لاستنهاض همم الاطفال، وتحويل طاقتهم السلبية الناجمة عن ويلات الحرب الى طاقة ايجابية منتجة. وتعتبر هذه التجربة وسيلة فعالة لاكتشاف المواهب الشابة، وتوجيهها نحو فنون تساهم في الحفاظ على الموروث الثقافي وتنقله للاجيال القادمة رغم كل التحديات.

فن يعيد صياغة التاريخ من تحت الركام

وقال الفنان التشكيلي محمد ابو لحية ان العملية تبدأ بدورات مكثفة لتعليم الاطفال تقنيات القص والتركيب، مبينا ان هذا الفن يتطلب صبرا طويلا وتركيزا عاليا يستمر لشهور. واضاف ان التدريب يركز على محاكاة المشاهد التراثية، مثل صور الفلاحين، والنساء بزي التراث، واشجار الزيتون، وهي رموز تعيد ربط الاطفال بجذورهم وهويتهم الوطنية التي تحاول الحرب طمسها.

واكد ابو لحية ان الفسيفساء فن مستدام، حيث تبقى الجداريات صامدة بجمالها ورونقها مهما مرت عليها السنون او تعرضت لعوامل الزمن. وبين ان العمل في هذا المجال يمنح الاطفال شعورا بالانجاز، خاصة عندما يدركون انهم يصنعون الجمال من مواد كانت في الاصل جزءا من بيوتهم التي دمرت، مما يخلق رابطا عاطفيا قويا بين الفنان واللوحة.

واوضح ان التحديات كبيرة، خاصة مع ندرة المواد الخام كالاسمنت والاصباغ، مشددا على ان الفنانين يلجؤون الى حلول ابداعية مثل طحن الطوب واعادة تدوير الحجارة المستخرجة من الركام. واضاف ان هذه البدائل تتطلب جهدا مضاعفا في التثبيت والتركيب، لكنها النتيجة الوحيدة المتاحة للاستمرار في هذا المشروع الفني.

تفريغ نفسي ومقاومة بالجمال

وكشفت الطفلة كنان مصطفى رمضان، البالغة من العمر اربعة عشر عاما، ان انضمامها للمعمل كان بمثابة طوق نجاة بعد اصابتها في قصف استهدف منزل عائلتها. واضافت ان العمل في تركيب الفسيفساء ساعدها كثيرا في تجاوز الصدمات النفسية والجسدية التي عانت منها، موضحة ان الوقت الذي تقضيه مع صديقاتها في تعلم هذا الفن ينسيها ولو قليلا مرارة الواقع.

وتابعت الفتاة عناية ابو هدروس، البالغة من العمر خمسة عشر عاما، الحديث عن تجربتها، مؤكدة ان تعلم الفسيفساء كان وسيلتها لتفريغ ضغوط الحرب. واضافت انهم يعملون بجد رغم غياب الادوات المناسبة، حيث يبتكرون طرقا لتجميل اللوحات بما يتوفر لديهم، مشيرة الى ان اصرارهم على اكمال اللوحات يعكس رغبتهم في الحفاظ على التراث الفلسطيني حيا.

واختتمت عناية كلامها بالاشارة الى ان كل لوحة ينجزونها هي بمثابة رسالة تحدي، موضحة انهم لا يكتفون بانتاج لوحات جديدة فحسب، بل يعملون ايضا على ترميم ما تضرر من اعمال فنية سابقة، مؤكدة ان الفن في غزة سيظل شاهدا على عظمة الشعب وقدرته على النهوض من بين الركام.