لم يكن خروج المنتخب السنغالي من كأس العالم 2026 عند الدور الثاني والثلاثين بعد خسارته أمام بلجيكا بثلاثة أهداف مقابل هدفين مجرد نهاية مخيبة لمشوار أحد أبرز المنتخبات الإفريقية المثيرة للجدل، بل كشف، بحسب تقرير مطول نشره موقع Sport News Africa، عن أزمة عميقة داخل الاتحاد السنغالي لكرة القدم، امتدت من الخلافات الإدارية والمالية إلى طريقة تدبير شؤون المنتخب خلال البطولة، وصولا إلى فضائح تتعلق بإعادة بيع تذاكر خصصها الاتحاد الدولي لكرة القدم، في قضية مرشحة لإثارة جدل واسع داخل الأوساط الرياضية في السنغال.
ويشير التقرير إلى أن المنتخب السنغالي دخل النهائيات وسط طموحات كبيرة، مستندا إلى جيل يضم عددا من اللاعبين الذين راكموا خبرة طويلة في الملاعب الأوروبية، كما أن الجهاز الفني كان يعتقد أن الفريق قادر على الذهاب بعيدا في المنافسة.
وبعد الخسارة أمام فرنسا بثلاثة أهداف مقابل هدف في المباراة الافتتاحية، ساد داخل المعسكر اعتقاد بأن النتيجة لا تعكس حقيقة الأداء، إذ اعتبر اللاعبون والجهاز الفني أن المنتخب قدم شوطا أول جيدا ونال إشادة عدد من المتابعين، لذلك كانت الثقة كبيرة في إمكانية تجاوز النرويج خلال المباراة الثانية إذا حافظ الفريق على المستوى نفسه طوال اللقاء.
لكن تلك الثقة سرعان ما تلاشت بعد خسارة ثانية أمام النرويج بثلاثة أهداف مقابل هدفين، وهي النتيجة التي وضعت المنتخب في موقف صعب وأطلقت موجة انتقادات واسعة طالت المدرب باب تياو، سواء بسبب خياراته الفنية أو طريقته في إدارة المباراة، خاصة في ما يتعلق بمشاركة القائد خاليدو كوليبالي الذي حمله كثيرون جزءا من مسؤولية الأهداف الثلاثة، إضافة إلى التبديلات التي أجراها، وهي انتقادات بدت متناقضة مع الإشادة التي حظي بها المدرب نفسه بعد قيادته المنتخب خلال كأس أمم إفريقيا.
مدرب بدون عقد رسمي
غير أن التقرير يعتبر أن قراءة النتائج من زاوية فنية فقط تخفي جانبا مهما من الصورة، إذ يؤكد أن باب تياو دخل كأس العالم وهو يعمل من دون عقد رسمي منذ فبراير 2026، كما لم يتوصل برواتبه لمدة خمسة أشهر، وهو وضع استمر حتى أثناء وجود المنتخب في الولايات المتحدة.
ورغم إعلان الاتحاد السنغالي لكرة القدم أن الملف تمت تسويته قبل مواجهة النرويج، فإن التقرير يؤكد أن العقد لم يوقع إلا قبل ساعات قليلة من انطلاق المباراة، بعد مفاوضات طويلة شهدت خلافات متكررة بين الطرفين.
وبحسب المصدر نفسه، فإن مسؤولي الاتحاد، وعلى رأسهم الأمين العام عبد الله سو، حاولوا تأجيل توقيع العقد إلى ما بعد مباراة النرويج، حتى يتم الحسم في مستقبل المدرب بناء على نتيجة اللقاء، وهو ما دفع ممثلي باب تياو إلى التهديد بعدم جلوسه على مقاعد البدلاء إذا لم تتم تسوية وضعيته القانونية والمالية.
وينقل التقرير عن أحد الأشخاص الذين كانوا داخل المعسكر قوله إن المدرب كان يستعد لحزم حقائبه قبل ست ساعات فقط من المباراة، مضيفا أن التحضير لمواجهة بهذا الحجم وسط تلك الظروف كان أمرا بالغ الصعوبة، لأن العلاقة بين الجهاز الفني ومسؤولي الاتحاد كانت قد وصلت إلى مرحلة من انعدام الثقة.
ويضيف التقرير أن الخلاف لم يتوقف عند هذا الحد، إذ أدى بند أضيف إلى العقد من طرف الاتحاد إلى تأخير التوقيع مرة أخرى، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق بصورة مستعجلة قبل خمس ساعات فقط من انطلاق المباراة، بحضور الأمين العام للاتحاد، وممثلي المدرب، ومستشار لرئيس الجمهورية، وهو ما اعتبره التقرير دليلا على حجم الارتباك الذي رافق إدارة المنتخب خلال النهائيات.
وتعود بداية الأزمة، بحسب التقرير، إلى ما قبل السفر إلى الولايات المتحدة، حين رفض باب تياو مرافقة المنتخب قبل تسوية وضعيته التعاقدية وصرف مستحقاته المالية، بينما لوح ممثلوه بعدم السماح له بالسفر، في حين رد بعض مسؤولي الاتحاد بأن المنتخب سيغادر حتى في حال غياب المدرب، مع الشروع في اتصالات مع الفرنسي إيرفي رونار ليكون بديلا محتملا.
ويؤكد التقرير أن اسم رونار لم يطرح من باب الضغط فقط، بل إن الاتحاد السنغالي كان قد فتح بالفعل قنوات تواصل معه، كما أكد مسؤولون تونسيون أن المدرب الفرنسي كان يعتزم إنهاء مهمته مع منتخب تونس عقب كأس العالم، وكانت السنغال من بين الوجهات المطروحة أمامه، وهو ما زاد من شعور باب تياو بأن موقعه أصبح مهددا قبل انطلاق البطولة.
كما يكشف التقرير أن المدرب ومقربين منه فكروا في عقد مؤتمر صحافي في دكار لشرح تفاصيل ما يحدث داخل الاتحاد، غير أن اتصالا من رئيس الجمهورية دفعه إلى العدول عن تلك الخطوة، بعدما أكد له أن الرئاسة ستتولى معالجة الملف، وهو ما مهد لسفره مع المنتخب، رغم استمرار أجواء التوتر.
سهرات ومشروبات
وبعد نشر أولى التقارير التي تناولت ظروف إقامة المنتخب، ونوعية التغذية، ووضع المدرب، وطريقة تدبير البعثة، أبدت الرئاسة السنغالية استياءها من الوضع، وأوفدت مستشارا رئاسيا إلى الولايات المتحدة في محاولة لإعادة الانضباط وتحسين ظروف الإقامة والعمل، إلا أن التقرير يعتبر أن التدخل جاء بعد أن كانت الأزمة قد ألقت بظلالها على الأجواء داخل المعسكر.
ولا تقتصر الاختلالات، وفق التقرير، على العلاقة بين المدرب والاتحاد، إذ يتحدث عن انقسامات حادة داخل المكتب التنفيذي للاتحاد السنغالي لكرة القدم، وصلت في بعض الاجتماعات إلى تبادل الشتائم بين الأعضاء، قبل أن تفرض نتائج كأس أمم إفريقيا هدنة مؤقتة لم تستمر طويلا، بعدما عادت الخلافات مع مناقشة ملف المكافآت.
وفي ظل هذه الأجواء، لم يتمكن رئيس الاتحاد عبد الله فال، بحسب التقرير، من فرض سلطته داخل المؤسسة، بينما بقي الأمين العام عبد الله سو يدير الملفات اليومية وسط خلاف مفتوح مع المدرب.
ويتطرق التقرير أيضا إلى أسلوب عيش بعض مسؤولي الاتحاد خلال البطولة، إذ يتحدث عن تنظيم سهرات خاصة واستقبال ضيوف، بينهم صناع محتوى وعدد من الشابات، وهو ما أثار استغراب أعضاء في الطاقم الفني واللاعبين.
كما يشير إلى تضخم حجم الوفد الرسمي بوجود أقارب وأصدقاء لبعض المسؤولين، من دون توضيح الجهة التي تكفلت بمصاريفهم، بينما نقل عن أحد المسؤولين قوله إن الدولة خصصت ميزانية مهمة لمشاركة المنتخب في كأس العالم، وإن بعض الأشخاص استغلوا تلك الموارد للحصول على امتيازات شخصية.
ويضيف التقرير أن الأيام الأولى لإقامة البعثة في الولايات المتحدة شهدت إنفاقا كبيرا شمل إقامة حفلات، وتقديم هدايا، واستهلاك مشروبات كحولية مرتفعة الثمن، وهو ما دفع موظفين في الفندق إلى تقديم شكاوى بشأن سلوك بعض أفراد الوفد، في وقت استغل فيه بعض اللاعبين غياب الرقابة لطلب الوجبات السريعة والخروج من الفندق في أوقات مختلفة، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرا إضافيا على ضعف الانضباط داخل المعسكر.
ومن بين أخطر ما أورده التقرير الحديث عن إعادة بيع التذاكر التي خصصها الاتحاد الدولي لكرة القدم للاتحاد السنغالي، إذ أفادت المعلومات المنشورة بأن تذاكر كان سعرها الرسمي نحو 60 دولارا أعيد بيعها مقابل ما يقارب 350 دولارا عبر قنوات وصفت بأنها غير شفافة، بينما لم يتمكن التقرير من تحديد ما إذا كانت العائدات دخلت خزينة الاتحاد أم ذهبت إلى أشخاص مقربين من بعض المسؤولين، مع الإشارة إلى أن هذه الممارسات سبق أن أثيرت خلال كأس العالم 2022، عندما تحدثت تقارير عن إعادة بيع تذاكر كانت مخصصة حتى لعائلات اللاعبين.
ويختم التقرير بالإشارة إلى أن رئاسة الجمهورية السنغالية شرعت في إعداد تقرير شامل لتقييم مشاركة المنتخب في كأس العالم، سواء من الناحية الرياضية أو الإدارية، على أن يتم الاستماع إلى أعضاء الاتحاد السنغالي لكرة القدم، إضافة إلى المدرب باب تياو، فور عودتهم إلى البلاد.