حين يبدأ الإنسان عملاً جديداً، يتوقع غالباً أن يرى أثره بشكل سريع، ويبذل جهده وينتظر النتيجة. لكن أكثر الإنجازات العظيمة التي تعطي نتائج كبيرة، لا تنتج في بدايتها، بل بعد مرور فترة طويلة، بل قد يبدو فيها الجهد كبيراً، والعائد قليلاً. وهذه الفترة هي التي يتوقف عندها الكثيرون، إذ يظنون أن تدنّي النتائج دليل على خطأ، وهذه الفترة تحديداً، هي التي تصنع الفارق بين من ينجح ومن ينسحب.
في بداية أيّ مشروع، أو مهارة، يكون التقدم بطيئاً، لأن الأساس لم يكتمل بعد. فمن يتعلم أمراً جديداً يقضي وقتاً طويلاً في فهم مبادئه قبل أن يستطيع استعماله، وفي عالم الأعمال أيضاً، من يبني عملاً يحتاج إلى مدة قبل أن يعرفه الناس، ويثقوا به. هذا البطء ليس علامة فشل، بل طبيعة البدايات.
والمشكلة أن النتيجة في هذه المرحلة لا تواكب الجهد المبذول، حيث إن هذه المرحلة من بين جميع المراحل اللاحقة قد تكون الأصعب، لأن الإنسان يشعر بأنه يعطي الكثير ويأخذ القليل. وهنا يحضر الإحباط، ويبدأ يقارن نفسه بمن قطعوا شوطاً أطول، ناسياً أنهم مروا بالبداية نفسها التي يمر بها الآن. ومن لا يدرك أن البطء طبيعي في هذه المرحلة، قد يتركها قبل أن يصل إلى النقطة التي يبدأ عندها الجهد المتراكم بالظهور.
الذي يميز من يصل عمن يتوقف، ليس فرقاً كبيراً في الموهبة غالباً، بل قدرة على الاستمرار حين يكون العائد غير مشجع. فكثير من الأعمال تعطي ثمرها بعد مدة طويلة من العمل الذي بدا بلا أثر، إنها تتراكم فعلياً من دون أن نراها، ولكن تظهر فجأة حين تبلغ نقطة معينة. ومن انسحب قبل تلك اللحظة لا يعرف كم كان قريباً منها، قد يكون توقف وهو على بعد خطوات من أن يرى ما تعب من أجله.
ومما يعين على الصبر في هذه المرحلة أن ينظر الإنسان إلى الجهد نفسه، وليس إلى نتيجته القريبة. اجعل مقياسك التزامك بما قررت، وليس ما تراه من عائد سريع، فالعائد متأخر بطبعه. وسجّل تقدمك ولو كان صغيراً، فهذا يذكرك بأنك تتحرك، وإن لم يظهر الأثر بعد.
هذه ليست دعوة للاستمرار في المهام التي لا رجاء منها، أو فيها هدر للوقت، بل تذكير بقوة الإرادة وأهميتها في كل مشروع توجد مؤشرات ودلالات على نتائجه الإيجابية. فكم من عمل لم يكن ينقصه إلا القليل من الصبر، كي يبدأ الإنتاج الربحي.