شفقنا– قال أستاذ جامعي وباحث في الدراسات المستقبلية، بشأن مآلات المواجهة أو التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، إن السيناريوهات الجارية حاليا تتجاوز مجرد تغيير بسيط في السياسات، إذ تسعى إلى إرساء نظام جديد في بنية السلطة. وفي هذه المواجهة، سيكون مدى صمود النظام وحجم تأثير أدوات الردع في مواجهة الضغوط البنيوية الغربية عاملين حاسمين في تحديد مصير هذه المرحلة الانتقالية. وفي نهاية المطاف، فإن أي اتفاق أو مواجهة مقبلة لن يكتسبا معناهما إلا في ضوء الوقائع الميدانية وقدرة الطرفين على التفاوض خلال هذه المرحلة الانتقالية.
وقال الدكتور محسن جليلوند، في حديثه لمراسل شفقنا ، بشأن ما إذا كانت التطورات الأخيرة في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة، عقب توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة، تشير إلى مدى اقتراب الطرفين من التوصل إلى اتفاق مستدام مصرحا: بالنظر إلى المسار الحالي، يمكن القول إن التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق شامل ودائم ضئيل جدا.
وأضاف أن أحد أبرز العوائق يتمثل في غياب آلية للضمانات (Guarantee) المتبادلة؛ بحيث لا تستطيع الولايات المتحدة أن تضمن التزامها بتعهداتها، كما لا تستطيع الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تطمئن إلى عدم عودة واشنطن إلى سياساتها السابقة. كما أن انعدام الثقة وغياب الضمانات التنفيذية جعلا الوصول إلى اتفاق يؤدي إلى عودة الاستثمارات الاقتصادية الكبرى أمرا بالغ الصعوبة.
وتابع جليلوند قائلا: ينبغي الانتباه إلى أن الملف النووي الإيراني ليس أزمة عابرة، بل تعود جذوره إلى ثلاثة عقود من المفاوضات والتوترات الدبلوماسية. كما أن مرور الزمن واندلاع الصراعات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة أدّيا إلى تعثر مسار المفاوضات. ولا يمكن تحليل هذه القضية بمنظور قصير الأمد فقط، لأن جذور الخلافات أعمق بكثير من إطار زمني محدود، كما أن حلها يتطلب إعادة النظر في البنى الأساسية.
العوائق الأمنية والرؤية الأميركية
وأوضح أن الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين يرون أنه ما دامت البرامج النووية الإيرانية، والقدرات الصاروخية، والنفوذ الإقليمي لإيران (محور المقاومة)، تُعدّ تهديدا لأمن إسرائيل والمصالح الاستراتيجية لواشنطن، فإن الوصول إلى نقطة نهاية أو إلى اتفاق شامل لن يكون ممكنا. ومن وجهة نظر الغرب، فإن معالجة الجوانب الفنية للملف النووي من دون احتواء القدرات العسكرية والإقليمية لإيران لن تكون كافية لحل المشكلة.
واستطرد جليلوند قائلا: عند دراسة السيناريوهات المحتملة أمام إيران، يمكن القول إن المقاربات الغربية بدأت بالضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، ثم اتجهت نحو التدخلات البنيوية. كما أن محاولات ممارسة ضغوط شديدة لتغيير السلوك، أو حتى اتخاذ إجراءات مباشرة ضد كبار المسؤولين بهدف تغيير بنية السلطة في إيران، كانت جزءا من هذه السيناريوهات. ومع ذلك، فإن صمود البنية السياسية الإيرانية أظهر أن هذه المقاربات لم تحقق أهدافها حتى الآن.
من الضغوط إلى المواجهة
وقال جليلوند إن التحليلات تشير إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها أخذوا في حساباتهم ردود الفعل الإيرانية المحتملة، بما في ذلك استخدام القدرات الاستراتيجية في مضيق هرمز أو تغيير المقاربات الإقليمية. وفي هذا السياق، يبرز مساران رئيسيان:
الأول: تغيير البنية عبر الضغوط أو الحرب؛ إذ تشير بعض التحليلات إلى أنه إذا لم تتحقق التغييرات البنيوية من خلال الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، فإن سيناريو المواجهة العسكرية (الحرب) قد يُطرح بوصفه أداة لتغيير النظام أو بنية السلطة.
والثاني: إدارة التوتر؛ وهو مسار يُسعى من خلاله إلى إدارة الأزمة بما يحول دون اندلاع مواجهة واسعة ستكون كلفتها باهظة على جميع الأطراف.
وخلافا للتصورات التي ترى في الاتفاق حلا بسيطا للمشكلات الاقتصادية، فإن الواقع هو أن المواجهة بين المصالح الاستراتيجية لإيران والعقيدة الأمنية للولايات المتحدة تتجاوز المسائل الاقتصادية.
وأضاف أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الضغوط الرامية إلى إعادة صياغة معادلات القوة بلغت ذروتها، سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي، وأن مستقبل العلاقات بين الطرفين سيظل مرتبطا قبل كل شيء، بمدى التغيير الذي سيطرأ على البنى الأمنية والسياسية.
أمن المنطقة وتحديات عدم الاستقرار السياسي
وتابع جليلوند قائلا: إن أحد أبرز هواجس الغرب يتمثل في التمييز بين عدم الاستقرار السياسي وعدم الاستقرار الأمني. ففي حين قد تتعامل دول المنطقة والقوى العالمية بحذر مع التغييرات في البنية السياسية لأي دولة (عدم الاستقرار السياسي)، فإن عدم الاستقرار الأمني يُعد أمرا غير مقبول بالنسبة إليها. ويرتبط جانب كبير من هذه المخاوف بمسألة التحكم في القدرات العسكرية.
وأضاف أن خطر انتقال الأسلحة المتطورة أو تقنيات الصواريخ إلى الجماعات غير الحكومية أو المجموعات شبه العسكرية (على غرار سيناريو ليبيا أو العراق)، قد يؤدي إلى نشوء تهديدات خارجة عن السيطرة. ومن وجهة نظر الغرب، فإن انتقال إدارة هذه القدرات من المؤسسات الرسمية إلى الجماعات غير الحكومية يخلق مخاطر أمنية هائلة على المنطقة بأسرها، ويُعد منع ذلك أولوية رئيسية في السياسات الأمنية.
وأكد أن ما يجري بين إيران والولايات المتحدة يتجاوز مجرد مفاوضات اقتصادية، بل هو مواجهة بين رؤيتين لإعادة تعريف الأمن وبنية السلطة. فالولايات المتحدة تسعى، باستخدام أدوات مختلفة، إلى تهيئة الظروف لتغيير البنى القائمة، في حين تحاول إيران، بالتوازي مع إدارة الضغوط الدولية، صون سيادتها والحفاظ على استقرار بنيتها السياسية.
سيناريو الانتقال والردع في العلاقات الإيرانية – الأميركية
وأشار إلى أن الدراسات الاستراتيجية تُظهر أن الأطراف الدولية اعتمدت، في التعامل مع الملف الإيراني، نموذج الانتقال البنيوي. وهذه العملية، التي تتسم بطبيعة طويلة الأمد، يُتوقع أن تستغرق ما بين سنة وخمس سنوات.
وأوضح أن هدف الغرب في هذا السيناريو لا يقتصر على إحداث تغييرات مرحلية، بل يتمثل في تنفيذ نموذج انتقال ممنهج يهدف إلى إعادة تعريف بنية السلطة في إيران.
وأضاف جليلوند أن نجاح هذا السيناريو أو فشله يعتمد بصورة مباشرة على نتائج توازن القوى واختبار القوة بين الطرفين خلال مراحل التنفيذ. وفي إطار هذا التوازن، يُنظر إلى سعي الجمهورية الإسلامية الإيرانية للحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، مثل البرنامجين النووي والصاروخي، بوصفه أداة للردع.
ومن المنظور الاستراتيجي، كلما ازدادت الضغوط على البنى الأمنية، ازدادت أهمية أدوات الردع وأصبحت أكثر حيوية. ومع ذلك، ينبغي الأخذ في الاعتبار أن التصورات الغربية قد وُضعت استنادا إلى تحليل ردود الفعل الإيرانية المتوقعة؛ أي إن سيناريوهات المواجهة جرى إعداد نماذج لها مسبقا داخل مراكز التفكير لدى الطرف المقابل، ووُضعت التدابير اللازمة للتعامل معها.
النهاية