اخبار

لماذا يموت الناس من الحر؟ وكيف تحمي نفسك؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
لماذا يموت الناس من الحر؟ وكيف تحمي نفسك؟

مع كل صيف، تتكرر موجات الحر، ويتكرر معها التحذير المعتاد من الجهات الصحية بضرورة الحذر وشرب الماء وتجنب الخروج وقت الظهيرة. لكن هذا التحذير المتكرر غالبا ما يمر دون أن يلتفت له كثيرون، ربما لأن أغلب الناس يعتبرون الحر مجرد إزعاج موسمي عابر، لا خطرًا حقيقيًا.

والحقيقة أن بعض موجات الحر تمر دون أي أثر صحي يُذكر، بينما تترك أخرى وراءها أعدادًا من الوفيات. فما الفارق بينهما؟ وما الذي يحدث فعليا داخل الجسم حتى يصل الأمر إلى هذا الحد؟

تُعرّف المنظمة العالمية للأرصاد الجوية موجة الحر بأنها فترة تتجاوز فيها درجة الحرارة القصوى اليومية المعدل الطبيعي للمنطقة بمقدار 5 درجات مئوية على الأقل، لمدة 5 أيام متتالية أو أكثر.

وتسجل درجات الحرارة ارتفاعًا تدريجيا ملحوظًا في كل عام، ومعها ترتفع أعداد الوفيات المرتبطة بالحر، وهو ما دفع المنظمات الصحية حول العالم لإطلاق حملات توعية وتثقيف حول أهم النصائح الوقائية وكيفية التعامل مع تأثير موجات الحر، سعيًا منها لتقليل هذه الخسائر البشرية المتزايدة.

A woman holds a fan over her face to shield herself from the sun during hot weather in Bologna, Italy, June 20, 2026. REUTERS/Vincenzo Livieri

أكثر الفئات المتضررة

يُعد أصحاب الأمراض المزمنة، كالسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والربو والأمراض النفسية، أكثر الفئات المعرضة لخطر الوفاة بسبب درجات الحرارة المرتفعة، إذ سُجلت زيادة حادة في ضحايا موجات الحر منذ عام 2000 حتى عام 2021 بنسبة 85% لمن هم فوق 65 عاما.

ولا تقتصر موجات الحر على الغرب وحده، بل تضرب الشرق بالقدر نفسه؛ حيث بلغ نصيب دول آسيا من الوفيات المُسجلة بين عامي 2000 و2019 ما يقارب 45% من إجمالي عدد الوفيات البالغ 489000، في حين بلغت نسبة الوفيات في أوروبا 36%.

وعلى الطرف الآخر، يُعد الأطفال الصغار والرضع من أكثر الفئات عرضة للخطر، لأسباب فسيولوجية تختلف عن أسباب خطورة الحر على كبار السن. فجسم الطفل يمتص الحرارة من البيئة المحيطة بمعدل أسرع نسبيا من البالغ، نتيجة كبر مساحة سطح جلده مقارنة بحجم جسمه الداخلي، كما يُنتج حرارة داخلية أعلى نسبيا لكل كيلوغرام من وزنه.

والأهم من ذلك أن حجم الغدد العرقية عند الأطفال أصغر بنسبة تقارب 27% مقارنة بالبالغين، ويبدأ جسم الطفل بالتعرق عند درجة حرارة داخلية أعلى من البالغ، وهو ما يؤخر استجابة الجسم الطبيعية للتبريد. ويضاف إلى ذلك عامل سلوكي بحت، فالرضيع لا يستطيع التعبير عن شعوره بالعطش أو طلب الانتقال لمكان أبرد بمفرده، وهذا يجعله معتمدًا كليًا على وعي من حوله بعلامات الخطر.

طوارئ في أوروبا

أدت موجة الحر التي ضربت أوروبا في يونيو/حزيران 2026 إلى إغلاق آلاف المدارس في فرنسا وبريطانيا خلال أيام معدودة، بعد رصد حالات إغماء متكررة بين الطلاب وتحذيرات أرصاد غير مسبوقة.

وكشفت الأزمة عن ثغرة لافتة في بعض الدول، حيث يوجد حد أدنى قانوني لحرارة الفصول شتاءً، دون أي حد أقصى ملزم في الصيف، تاركًا قرار الإغلاق لتقدير كل مدرسة بمفردها.

وتمتد دائرة المعرضين لخطر الإجهاد الحراري إلى ما هو أبعد من ذلك. فعلى الجانب الصحي، يزداد الخطر لدى المصابين بارتفاع ضغط الدم أو الكوليسترول، والأشخاص الذين يعانون من السمنة أو زيادة الوزن أو الخمول وقلة الحركة، وكذلك النساء الحوامل.

وعلى الجانب السلوكي، يُعد الأشخاص الذين يعتمدون على مسكنات الألم أو مضادات الالتهاب غير الستيرويدية أكثر عرضة للخطر، إضافة إلى المدخنين، ومن يفرطون في تناول المشروبات المحتوية على الكافيين أو المشروبات المُحلاة بدلًا من تعويض الجفاف بالماء، أو لا يحصلون على كميات كافية من السوائل أساسًا، فضلًا عن متعاطي المخدرات أو الكحول.

أما في بيئة العمل، فالعاملون الذين يخضعون لضغوط نفسية أو مهنية مستمرة، ومن يتجنبون استخدام معدات الحماية الشخصية أو يقللون التوقف لدخول الحمام تجنبًا لانقطاع العمل، أو يستمرون بملابس مبللة طوال ساعات العمل، يضاعفون من فرص تعرضهم للإجهاد الحراري دون أن يدركوا ذلك دائما.

لماذا يموت الناس من الحر؟

أصبحت موجات الحر أشد كثيرا مما كانت عليه قبل 50 عاما، إذ ارتفعت درجات الحرارة المحسوسة خلال أشد أيام السنة حرارة في بعض المناطق بمقدار 4 إلى 5 درجات مئوية، وتربعت في الصدارة أوروبا وشمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.

ودرجة الحرارة المحسوسة هنا ليست مجرد رقم على الترمومتر، بل هي مؤشر يجمع بين الحرارة الفعلية ونسبة الرطوبة، إذ تعجز الرطوبة المرتفعة عن السماح بتبخر العرق بكفاءة، مما يجعل الجسم يشعر بحرارة أعلى من الحرارة المسجلة فعليا.

ومن الأسباب التي تفسر طول بعض موجات الحر وشدتها ما يُعرف بـ”القبة الحرارية”، وهي حالة جوية يستقر فيها الهواء الساخن فوق منطقة معينة لأيام أو أسابيع متواصلة دون أن يتحرك أو يتبدد، كما حدث في موجة الحر الأوروبية الكارثية صيف عام 2003.

وهذا الاستقرار الطويل هو ما يحوّل الحر من إزعاج عابر إلى خطر صحي متراكم؛ فكل يوم إضافي تحت هذه الظروف يعني مزيدًا من استهلاك قدرة الجسم على التعافي، خصوصًا مع غياب أي انخفاض ليلي في الحرارة يسمح له باستعادة توازنه.

ومما يزيد الأمر سوءًا أن درجات الحرارة ترتفع ليلا بوتيرة أسرع من حرارة النهار، وهو ما يُشكّل عبئًا صحيًا إضافيًا؛ فالتعرض المستمر للإجهاد الحراري المتراكم خلال نهار شديد الحرارة يحُد من قدرة الجسم على التخلص من هذه الحرارة والتعافي من تأثيرها ليلا، فيزيد الإرهاق والتعب، ويرتفع معه خطر حدوث الوفاة.

ويستجيب الجسم لدرجات الحرارة العالية بمحاولة التخلص من تأثيرها، فتبدأ الأعراض بالظهور تدريجيا في صورة ما يُعرف طبيا بالإجهاد الحراري؛ يبدأ الأمر بجفاف وتعرّق مفرط، يتبعهما تعب وإرهاق وصداع وانخفاض في كمية البول المطروحة مع تغيّر لونه، وتشنج في العضلات، وتغيرات جلدية من طفح وجفاف وحكة ووخز، إضافة إلى نزيف من الأنف والشعور بالغثيان.

ويُعد الإجهاد الحراري في هذه المرحلة قابلًا للعلاج المنزلي إذا تمكّن الشخص من خفض حرارته خلال 30 دقيقة عبر الانتقال لمكان بارد وتناول السوائل. لكن إذا استمر التعرض للحرارة دون تدخل، فقد يتطور الإجهاد الحراري إلى حالة أخطر تماما تُعرف بضربة الشمس، وهي حالة طبية طارئة تستوجب التدخل الفوري.

والعلامة الفارقة الأهم بين الحالتين هي ظهور أعراض عصبية، فبينما يبقى الشخص في حالة الإجهاد الحراري واعيًا وقادرًا على الكلام بوضوح، تتسبب ضربة الشمس في تشوش ذهني وكلام غير مفهوم وفقدان للتوازن وقد تصل إلى فقدان الوعي الكامل، وهذا التغير في الحالة العقلية هو الإشارة التي يجب أن تدفع المحيطين بالمصاب للاتصال بالإسعاف فورًا دون انتظار.

ومع استمرارية التعرض للحرارة بالتزامن مع العمل الشاق وعدم تعويض السوائل المفقودة، تتفاقم المشكلات الصحية وقد تتحول إلى أضرار دائمة، فعلى صعيد الكلى، يزداد خطر الإصابة بمرض الكلى المزمن وتراجع وظائفها وتكوّن الحصوات بها.

وعلى صعيد القلب والتنفس، تزداد فرص الإصابة باضطرابات القلب كإجهاد عضلة القلب أو ارتفاع ضغط الدم أو تسارع ضرباته، إلى جوار مشكلات تنفسية كالربو وصعوبة التنفس. كما ترتبط الحرارة المرتفعة المستمرة بزيادة خطر أمراض الكبد وسرطان الجلد والسكري.

كيف تحدث الوفاة بسبب الحر؟

تؤدي موجات الحر المتواصلة التي تستمر لأيام وليالي إلى سلسلة من التغييرات الجسدية التي تُضعف الجسم وتنهكه، ويرتكز تأثيرها الخطير في القلب والدورة الدموية.

فمع فقدان كميات كبيرة من السوائل والأملاح عبر التعرق، يصبح الدم أكثر لزوجة وتركيزًا، وهو ما يزيد احتمالية تكوّن الجلطات في الشرايين التي تغذي القلب والدماغ؛ وهذا ما يفسر ارتفاع معدل الإصابة بالسكتات الدماغية والنوبات القلبية أثناء موجات الحر.

وبموازاة ذلك، يستجيب الجسم للحر الشديد بتوسيع الأوعية الدموية في الجلد وزيادة تدفق الدم إليه بهدف التبريد والتخلص من الحرارة الداخلية المرتفعة، وهذا يتطلب ضخ كمية أكبر من الدم قد يعجز القلب عن تلبيتها إذا كان ضعيفًا أو مريضًا أصلا، فينحدر أداؤه سريعا بفعل زيادة العبء المُلقى عليه، مما يؤدي إلى فشل قلبي وربما الوفاة.

People rest in the shade of trees near the Eiffel Tower as temperatures rise in Paris during a second heatwave affecting a large part of France, June 20, 2026. REUTERS/Sarah Meyssonnier

كيف نتجنب المخاطر الصحية الناجمة عن الحر الشديد؟

توصي المنظمات الصحية والجهات المتخصصة باتباع وسائل وقائية مختلفة لتجنب عواقب الحر الشديد التي قد تكون وخيمة، وهذه الوسائل ليست مجرد نصائح نظرية، بل أثبتت فعاليتها فعلا في تجارب حقيقية حول العالم.

فبعد تطبيق خطة عمل وقائية في فرنسا عام 2006، سُجلت 4388 وفاة أقل من المتوقع بناءً على الاتجاهات التاريخية لتلك الفترة.

وفي إيطاليا، انخفضت نسبة الوفيات المنسوبة للحر من 6.3% قبل تطبيق خطة الإنذار المبكر (1999-2002) إلى 4.1% بعد تطبيقها (2013-2016).

وفي الهند، تم تجنب ما يُقدر بـ2380 وفاة بعد تطبيق نظام إنذار مبكر في مدينة أحمد آباد، مع انخفاض ملحوظ في الخطر النسبي للوفاة عند الدرجات القصوى من الحرارة بعد التدخل مقارنة بما قبله.

وهذه النتائج تؤكد أن الاستثمار في الإنذار المبكر والتوعية ليس مجرد إجراء احتياطي، بل أداة فعلية مثبتة لتقليل الخسائر البشرية.

فعلى مستوى السياسات الصحية، يأتي تفعيل أنظمة الإنذار المبكر وتعميمها للتنبؤ بموجات الحر قبل حدوثها في صدارة الأولويات، إلى جانب نشر التعليمات الصحية الموصى بها في وسائل الإعلام المختلفة، وتدريب الكوادر الصحية على التعامل مع حالات الإجهاد الحراري وتشخيصها مبكرا، مع تنسيق دقيق بين الجهات الصحية وكوادر الإسعاف الفوري خلال فترات الموجات الحارة.

وعلى المستوى الفردي، يُنصح بتجنب الخروج من المنزل أو أداء أي أعمال مُجهدة خارجية في أوقات الذروة من أيام الحر الشديد، ومحاولة البقاء في الظل، إذ تنخفض درجات الحرارة فيه عن تلك المعرضة للشمس بمقدار 10 إلى 15 درجة مئوية.

وفي المنزل، يمكن إبقاؤه باردًا قدر الإمكان بفتح النوافذ ليلا عند انخفاض درجات الحرارة، مع تقليل معدل تشغيل الأدوات والأجهزة الكهربائية لتخفيض مصادر الحرارة الداخلية، وإغلاق النوافذ وتغطيتها بستائر قاتمة تحجب أشعة الشمس نهارا.

كما يُفضّل ضبط مكيف الهواء عند درجة 27 مئوية مع تشغيل المروحة في الغرفة، إذ يسهم ذلك في تخفيض درجة حرارة الغرفة بمقدار 4 درجات إضافية.

أما على الصعيد الشخصي، يُنصح بالاستحمام بماء بارد، ومحاولة إبقاء الملابس رطبة أثناء ارتدائها، وشرب كميات وافرة من الماء بانتظام دون انتظار الشعور بالعطش.

وتبقى البرامج التوعوية التي تُثقّف الناس بمخاطر موجات الحر وطرق الوقاية منها حجر الأساس لأي إستراتيجية وقائية فعالة على المدى الطويل.