اخبار

“هذه قطر”.. موسوعة سيادية تروي سيرة المكان والإنسان وتكتب تاريخ البلاد

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
“هذه قطر”.. موسوعة سيادية تروي سيرة المكان والإنسان وتكتب تاريخ البلاد
يعيد كتاب ‘هذه قطر’ صياغة قصة مجتمع استثنائي استلهم من بيئته القاسية فنون التكيف وبناء المستقبل

عاجل مشيرب

Meteorology warns of strong winds and high waves in the open sea amid hot weather and dust

شهد معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الخامسة والثلاثين ولادة مشروع ثقافي وازن يتجاوز الأطر التقليدية للاحتفاء بالدول، حيث قدمت وزارة الثقافة القطرية إصدارا موسوعيا يحمل عنوان “هذه قطر”، يمثل أطلسا سياديا وتمثيلا شاملا يعيد قراءة ملامح المكان والإنسان في البلاد، ليتحول العمل نفسه إلى ضيف شرف المعرض في خطوة استثنائية غير مألوفة.

ولم يقف المشروع عند حدود صياغته البصرية الباذخة التي وزعت على ستة مجلدات فاخرة، بل امتد ليكون منظومة متعددة الوسائط تضم كتبا صوتية وأكثر من ثلاثمائة فيلم توثيقي، مدعومة بالخرائط والوثائق والصور التاريخية لتقديم انطباع راسخ ومفاتيح عامة تيسر فهم الهوية القطرية.

 الجذور السابقة للحداثة النفطية

يفتتح المشروع صفحاته من بوابة ما قبل التاريخ في مجلد “درب الحضارة”، ليؤكد أن شبه الجزيرة القطرية، الممتدة بسواحلها وجزرها على مسافة ثمانمائة كيلومتر، لم تكن يوما خارج الجغرافيا العالمية.

ويستدعي العمل شهادات التاريخ القديم، بدءا من الملاح اليوناني نيارخوس قائد أسطول الإسكندر المقدوني في القرن الرابع قبل الميلاد، وصولا إلى المؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر الذي وثقها باسم “كتاري” في القرن الأول الميلادي، ثم الجغرافي بطليموس الذي ثبتها باسم “كتارا” على خريطته الشهيرة في القرن الثاني الميلادي، لتكون أول إشارة مكتوبة للدولة في خريطة متداولة.

ويستند الكتاب إلى مكتشفات البعثة الدانماركية في خمسينيات القرن الماضي، والتي أزاحت الستار عن نحو مائتي موقع أثري تعود لعصور مختلفة، لتشكل هذه الأطروحة التاريخية برهانا سياديا على أن الدولة تمتلك جذورا حضارية ضاربة في العمق، سبقت الطفرة النفطية بقرون طويلة.

 فنون التكيف وبناء المجتمع

وفي مجلد “جنة الفلا”، ينتقل العمل إلى قراءة البيئة القطرية قراءة جغرافية واجتماعية معمقة بعيدة عن الأنماط السياحية العابرة. حيث يبرز المكان الصحراوي المنبسط بوصفه واحة ومختبرا طويلا لفنون التكيف والبقاء، صنع فيه المجتمع تفاصيله بين “سيف” البحر ومرابع البر.

وتحضر في هذا السياق شجرة “السدرة” العظيمة كأيقونة للذاكرة الاجتماعية الكريمة، إلى جانب غابات “المانغروف” التي تحمي السواحل وترعى الحياة البحرية، فضلا عن المحميات الطبيعية التي تحتضن ثدييات ونباتات نادرة تؤكد حيوية الأرض.
كما يفرد المجلد مساحة لشجرة النخيل التي تمثل عماد الزراعة التقليدية، قبل أن تنفتح البلاد على عهد المناطق الزراعية الحديثة.

 الثقة الاجتماعية والأصالة المنفتحة

ويأتي مجلد “إرث وأثر” ليركز على الإنسان الذي سكن هذه الأرض وتبادل معها تشكيل المعنى، مستعرضا التراث غير المادي والعادات والتقاليد التي تعكس ثقة ضمنية تنتقل بين الأجيال.

ويتناول العمل اللباس القطري التقليدي الذي استلهم تصميمه الوظيفي من البيئتين الصحراوية والبحرية ليتطور لاحقا إلى علامة هوية راسخة.

كما يوثق المجلد الإرث الفني الموسيقي، من أغاني الغوص الشعبية التي جسدت مشاعر الانتظار على السواحل، إلى فنون الرزفة والسامري والعرضة التي تحول الفرح الجماعي إلى لغة جسد مشتركة.

ويمتد الطرح ليشمل الأطعمة التقليدية بوصفها تاريخا للاستقرار الفسيفسائي المتشكل من خلفيات ثقافية متعددة اندمجت لتصنع أصالة منفتحة تقوم على التعدد السلمي.

 من الكتاتيب إلى التميز العالمي

ويروي مجلد “مرابع الإبداع” مسيرة بناء المؤسسات وتأهيل المواطن الحديث، متتبعا نشأة التعليم من الغرف البسيطة وحصير “الكتاتيب”، وصولا إلى تأسيس “المدرسة الرشيدية” عام 1890 في عهد الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني لتدريس العربية والقرآن والحساب، ثم افتتاح أول مدرسة للبنات عام 1957، ومؤسسة إعداد المعلمات عام 1967.

وفي القطاع الصحي، يستذكر المجلد بدايات المداواة بالأعشاب والطب الشعبي على متن مراكب الغوص، مرورا بالمستوصف الأهلي الوحيد بالدوحة إبان اكتشاف النفط عام 1939، وصولا إلى تأسيس “مؤسسة حمد الطبية” عام 1979 كأول منظومة للرعاية الصحية العامة.

كما يقرأ المجلد الرياضة كقيمة اجتماعية تنموية، مستعرضا إتاحة المنشآت لكافة فئات المجتمع، وتحول قطر إلى وجهة دولية تستضيف حدثا رياضيا بارزا كل أسبوع، من بطولات التنس والدراجات النارية وألعاب القوى، وتتويج هذا المسار بالاستضافة التاريخية لبطولة كأس العالم 2022.

البنية الثقافية والمشاريع الكبرى

ويستكمل مجلد “نوافذ المعرفة” رصد المشهد الثقافي من خلال المؤسسات الراسخة، بدءا من “دار الكتب” التي تأسست عام 1962 كمعلم معرفي أقدم في منطقتها، ومعرض الدوحة للكتاب المنطلق عام 1972، وصولا إلى “مكتبة قطر الوطنية” المفتتحة عام 2018 بمحتوى يتجاوز مليون كتاب.

ويبرز العمل دور المتاحف الوطنية مثل متحف الفن الإسلامي، ومتحف الفن العربي الحديث، ومتحف مشيرب التي تضم “متحف بن جلمود” المعني بتأريخ العبودية كخطوة شجاعة في المنطقة.

كما يستعرض المهرجانات الكبرى والمنصات الأدبية مثل “مجلة الدوحة” التاريخية، والجوائز المرموقة كجائزة كتارا للرواية العربية وجائزة حمد للترجمة، متوجا هذه المنظومة بـ “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” الذي يمثل إنجازا لغويا غير مسبوق لخدمة الملايين من ناطقي لغة الضاد.

عمران المدن واستشراف المستقبل

ويختتم المشروع فصوله بمجلد “شذى الأرض” الذي يعود إلى المكان المبني، ليرسم جغرافية العمران القطري من خلال تتبع تطور المدن الكبرى كـ الدوحة التي نمت منذ استقرار الشيخ محمد بن ثاني فيها عام 1848، والخور التي صاغتها مواسم الصيد والتجارة قبل عصر النفط، والوكرة المؤسسة عام 1888.

ويبرز المجلد الهوية المشتركة لهذه المدن الثلاث الممتدة بين الشمال والجنوب والوسط، معرجا على نشوء الحواضر الأخرى كالريان ومسيعيد والرويس، وصولا إلى مدينة “لوسيل” المستقبلية التي أعيد إحياؤها بصورة عصرية تزامنا مع افتتاح بطولة كأس العالم، لتجمع بين عراقة التاريخ وتطلعات المستقبل.