يتصرَّف بعضُ النَّاس في حياتهم، لا كما يعتقدُون أنَّه الأصوب، بل بأخذ ما يريدُون، ونرى هذا التصرُّف حتى بين مَن يُفترض فيهم العقل والتبصُّر -بكل أسف-.
همُّهم كيف يتحدَّث النَّاسُ عنهم، كيف ينظرُون إليهم، وما إلى ذلك.
كيف يعيش هؤلاءُ بشخصيَّات مزدوجة، يمشي إلى ما لا يُحب، ويضحك لما يُبكي، ويبكي لما يُضحك، يبتسم لخصمِه، وقد يقطِّب في وجه صديقه، يتعلَّم كيف يكون مداهنًا ومتملِّقًا؛ حرصًا على رضاء النَّاس، والتقرب إلى قلوبهم.
وآخرون يرتدُون عباءة التديُّن، وهي ظاهرة ليست جديدةً علينا؛ لأنَّها موجودة عبر التاريخ، وليس بالضَّرورة في المجتمع الإسلاميِّ.
ومن المعلوم أنَّ الجماعات، أو بعض الأشخاص يستخدمُون الخطاب الدِّيني لتحقيق مآرب، أو مكاسب اقتصاديَّة أو اجتماعيَّة أو سياسيَّة، كما هو الحال في جماعة الإخوان المسلمِين وغيرهم. هم يدركُون أنَّ الدِّين يحظى بثقة الغالبيَّة من النَّاس؛ ممَّا يجعله أداةً مؤثِّرةً في كسب التَّأييد أو النفوذ.
قبل انتشار وباء كورونا، وتحديدًا في مطلع عام 2019، التقيتُ في أحد المقاهي بتركيا بأحد أساتذة علم النَّفس، وهو رئيس قسم الدِّراسات النفسيَّة بإحدى الجامعات، وحدَّثته عن مداعبة من أحد أطبَّاء الجراحة العامَّة الذي تربطني به علاقة متميِّزة، الذي قال لي: لقد آن الأوانُ لعمل إحسانٍ كبيرٍ من جمعيَّتكم، جمعيَّة البر بجدَّة، من خلال تقديم برنامج يستهدف شراء كميَّات ضخمة من دواء نفسيٍّ يُسمَّى: (بروزاك)، وإلقائه في خزانات مياه الشُّرب؛ كي يستفيد منه عددٌ كبيرٌ من النَّاس في معالجة الاكتئاب وغيره، وأنَّ نصف المجتمع مريضٌ نفسيًّا، ولكن معظمهم لا ينشدُون العلاج (خجلًا).
بعد استماعه لهذه المداعبة، فاجأني بالتَّالي: «إنَّ صديقك لم يذهب بعيدًا، فقد أجرينا دراسةً علميَّةً نفسيَّة جادَّة على عينةِ تُقدَّر بـ2400 فردٍ في إحدى المُدن يمثِّلُون معظم فئات المجتمع: معلِّمين ومعلِّمات في التعليم العالي، طلابًا وطالبات وأساتذة في الجامعات، عسكريِّين وقضاة ومحامِين ورجال أعمال، وكانت نتيجة الدراسة غير متوقَّعة، إذ تبيَّن أنَّ حوالى 47,4% من العينة مصابُون بداءٍ يُسمَّى: (Psychopathy)، أي الاعتلال النَّفسي، أو اضطراب المزاج، ثمَّ أردف قائلًا: ومع هذا فإنَّه يتعذَّر علميًّا التعميم على هذه النتيجة، ولكنَّه مؤشِّر يستحق التوقُّف عنده.
هذا ما كان قبل انتشار كورونا، التي تركت آثارًا نفسيَّة على البعض، ولا أدري إذا كانت هناك دراسات يمكن قياس أثرها!.
الحروب في فلسطين، ولبنان، والسودان، وليبيا، واليمن، بل حتى في روسيا وأوكرانيا، وأخيرًا إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما صحب هذه الحروب في مجملها من إعلام مضلِّل وكاذب، كل ذلك وغيره يحدث أضرارًا بالغةً على النَّفس.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا قدَّمنا لمجتمعاتِنَا لحمايتها ممَّا لحق بها من أذى نفسيٍّ عميقٍ؟، وما النتائجُ المترتِّبة على التَّقليل من آثار ذلك؟.
الخطاب الديني وباء كورونا
الاضطرابات النفسية.. الخطر الصامت