اخبار

في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
في سوق الأسهم.. من هو المتسبب في الخسارة؟

كثيرًا ما يُقال إنَّ سوق الأسهم هو المكان الذي تُصنع فيه الثَّروات، لكنَّ الحقيقة التي تعلًّمتُها بعد سنوات من متابعة الأسواق وتجارب المستثمرِين، هي أنَّ هذا السوق لا يصنعُ الثَّروات وحدها، بل يصنعُ أيضًا الخبرة.. وأحيانًا الألم.
فكلُّ مَن يدخل عالم الاستثمار، يظنُّ في البداية أنَّه يستطيعُ فهم حركة السوق، وأنَّه قادرٌ على اقتناص الفرص قبل الآخرين، لكن مع مرور الوقت يكتشفُ أنَّ أصعب معركة لا تكونُ مع المؤشِّرات الماليَّة، أو أسعار الأسهم، وإنَّما مع النَّفس البشريَّة بما تحمله من طمعٍ وخوفٍ وتردُّدٍ وثقةٍ مفرطةٍ.
ولهذا أرى أنَّ سوق الأسهم ليس عدوًّا بالمعنى الحقيقيِّ، ولكنَّه أشبه باختبارٍ يوميٍّ للانضباط والصَّبر والحكمة، فهو لا يميِّز بين غنيٍّ وفقيرٍ، ولا بين مستثمرٍ مبتدئٍ وآخرَ يمتلكُ عشرات السِّنين من الخبرة، ولا يمنح النَّجاح لمَن يملك المال أكثر، بل لمن يُحسِن إدارة قراراتِهِ قبل إدارة أموالِهِ.
ومن الأخطاء التي يقعُ فيها كثيرٌ من المستثمرِين، أنَّهم يعتقدُون أنَّ تحقيق عدَّة صفقات ناجحة يعني أنَّهم أصبحُوا يمتلكُون القدرة على قراءة المستقبل، وهنا تبدأ أًولَى مراحل الثِّقة الزَّائدة، التي كثيرًا ما تكون مقدِّمةً لخسائر مؤلمة، وعلى الجانب الآخر، عندما تأتي الخسائرُ، يبدأ البحث عن شمَّاعة يُعلّق عليها أسباب الفشل، مرَّة على الإعلام الاقتصاديِّ، ومرَّة على المحلِّلين، ومرَّة على الظُّروف العالميَّة، بينما يبقى القرارُ الاستثماريُّ في النهاية مسؤوليَّةً شخصيَّةً لا يمكن التنصُّل منها.
لقد أثبتت التجاربُ أنَّ الأسواق الماليَّة لا تتحرَّك دائمًا وفق المنطق الذي نتصوَّره، فقد ترتفع الأسهمُ في ظلِّ أخبار سلبيَّة، وتهبط رغم إعلان نتائج ماليَّة ممتازة؛ لأنَّ الأسواق لا تتفاعل مع الواقع فقط، بل مع توقُّعات المستثمرِين ومشاعرهم، ولذلك تبقى التقلُّبات جزءًا أصيلًا من طبيعتها.
وأعتقدُ أنَّ المستثمر الناجح ليس مَن يُحقِّق أرباحًا استثنائيَّة في عام واحد، وإنَّما مَن يستطيع تحقيق عوائد مستقرَّة لسنواتٍ طويلة، مع المحافظة على رأس المال، وتقليل المخاطر، فالعبرة ليست بسرعة الوصول، بل بالقدرة على الاستمرار.
ومن أكثر ما يلفت الانتباه، أنَّ السوق يتعامل مع مشاعر المستثمر بذكاءٍ عجيبٍ، فتبيع، فتشعر بالنَّدم عندما يرتفع السهم! وتشتري، فتتفاجأ بالهبوط، وتتردَّد في الدخول، فتفوتك الفرصة، ثمَّ تدخل متأخِّرًا، فتبدأ رحلةُ القلق من جديد، وكأنَّ السوق يختبر قدرتك على التحكُّم في انفعالاتِك أكثر من اختباره لقدرتك على قراءة الأرقام.
ولا يقلُّ خطورة عن ذلك، الإفراط في الاقتراض؛ بغرض الاستثمار، فالتوسُّع باستخدام التمويل قد يبدُو مغريًا في أوقات الرَّواج، لكنَّه يتحوَّل إلى عبءٍ ثقيلٍ عندما تتغيَّر الدورة الاقتصاديَّة، أو تتراجع الأسواقُ، وقد أثبت التاريخُ الماليُّ أنَّ كثيرًا من الإمبراطوريَّات الاستثماريَّة لم تسقط بسبب نقص الفرص، وإنَّما بسبب الإفراط في الدُّيون، وضعف إدارة المخاطر.
وفي اعتقادي أنَّ الاستثمار الناجح يقوم على قواعد بسيطة، لكنَّها ليست سهلة التَّطبيق: لا تستثمرْ إلَّا فيما تفهمه، ولا تضعْ كلَّ أموالك في أصلٍ واحدٍ، ولا تجعل العاطفة تقودُ قراراتِك، واحتفظ دائمًا بسيولةٍ تمكِّنك من مواجهة المفاجآت، كما أنَّ التعلُّم المستمر، والقراءة، وتحليل الأخطاء، أهم بكثير من البحث عن توصية سريعة، أو ربح سريع.
ولعلَّ أجمل درس تُعلِّمه لنا الأسواقُ الماليَّة، هو التَّواضع، فمهما بلغت خبرة المستثمر، يبقى السوقُ قادرًا على مفاجأته، ومهما حقَّق من نجاح، فإنَّ الغرور قد يكون بداية التَّراجع.
وأختمُ بالقول إنَّ سوق الأسهم ليس مكانًا لتحقيق الثراء السريع كما يتصور البعض، بل هو مدرسة لا يتخرج فيها أحد، وكل يوم فيها يحمل درسًا جديدًا لمن أراد أنْ يتعلَّم.
فإذا كان هناك خصمٌ حقيقيٌّ في عالم الاستثمار، فليس الشَّاشة التي تعرض أسعار الأسهم، ولا الأخبار الاقتصاديَّة، ولا حتَّى تقلُّبات الأسواق، وإنَّما ذلك الصوت الداخلي الذي يدفع الإنسان -أحيانًا- إلى الطَّمع عندما يجبُ أنْ يحذر، وإلى الخوف عندما يجب أنْ يتحلَّى بالشَّجاعة.
ومَن ينتصر على نفسه أوَّلًا.. سيكون أكثر قدرةً على النجاح في أيِّ سوق، مهما كانت تقلُّباته.
إنَّ ما طرحتُه اليوم، هو رأيٌ شخصيٌّ، قد يتَّفق أو يختلف معه الآخرُون، لكنَّه رأيُ متابعٍ للسوق منذ زمنٍ طويلٍ.
سوق الأسهم الأسهم