اخبار

الجامعات البحثية وصناعة القوة

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
الجامعات البحثية وصناعة القوة

كثيرًا ما تُقَاس قوَّة الدول بما تملكه من موارد طبيعيَّة، أو قدرات عسكريَّة، غير أنَّ التجربة الحديثة أثبتت أنَّ المصدر الأعمق للقوَّة يكمن في المعرفة. ومن هنا برزت الجامعاتُ البحثيَّة بوصفها مؤسَّسات تصنع الأفكار والابتكارات، التي تقود الاقتصاد، وتؤثِّر في السياسة والمجتمع. وتُعدُّ الولايات المتحدة المثال الأوضح على ذلك، إذ ارتبط صعودها إلى مكانة القوَّة العالميَّة الأُولى بنموِّ منظومة جامعيَّة، جعلت البحث العلميَّ في صميم رسالتها.
بدأ التعليمُ الجامعيُّ الأمريكيُّ مع تأسيس جامعة هارفارد عام 1636، ثمَّ لحقتها جامعات عريقة مثل ييل وبرنستون وكولومبيا وبنسلفانيا. غير أنَّ التحوُّل الحقيقي لم يكن في إنشاء الجامعات فحسب، بل في تغيير مفهومها من مؤسَّسات تُعنَى بالتَّدريس ونقل المعرفة إلى مؤسسات تنتج المعرفة نفسها. وقد تجسَّد هذا التحوُّل بصورةٍ واضحةٍ مع تأسيس جامعة جونز هوبكنز عام 1876، التي أصبحت نموذجًا للجامعة البحثيَّة الحديثة.
اعتمد هذا النموذج على الربط بين التعليم والبحث العلميِّ، بحيث لا يقتصر دور الأستاذ على التدريس، بل يمتد إلى الاكتشاف والابتكار. ومن خلال المختبرات ومراكز الأبحاث والدِّراسات المتقدِّمة، أصبحت الجامعة شريكًا مباشرًا في التنمية الاقتصاديَّة والصناعيَّة. ولهذا يرى كثير من الباحثين أنَّ الجامعات البحثيَّة أسهمت في بناء التفوُّق الأمريكيِّ أكثر من أي عامل آخر.
وقد استفادت الولايات المتحدة من التجربة الألمانيَّة التي كانت رائدةً في البحث العلميِّ، خلال القرن التاسع عشر. فأوفدت الأكاديميِّين إلى الجامعات الألمانيَّة، واستلهمت أساليبها في إعداد الباحثين وتنظيم الدِّراسات العُليا. ومع مرور الوقت طوَّرت نموذجها الخاص، حتَّى أصبحت جامعاتُها في مقدِّمة المؤسَّسات العلميَّة عالميًّا.
ولم يكن نجاح هذه الجامعات نتيجة جهود أكاديميَّة فقط، بل جاء أيضًا من شراكةٍ فاعلةٍ بين رجال الأعمال، والمؤسَّسات التعليميَّة. فقد قدَّمت التبرُّعات والأوقاف الضخمة دعمًا مستدامًا للبحث العلميِّ، وأسهمت في استقطاب أفضل العقول من مختلف أنحاء العالم. وأصبحت الجامعاتُ بيئةً خصبةً لإنتاج براءات الاختراع، وتأسيس الشركات التقنية والصناعات المتقدِّمة.
وتشير دراسات عديدة، إلى أنَّ نسبة كبيرة من الابتكارات والصناعات الجديدة في الولايات المتحدة خرجت من رحم الجامعات ومختبراتها. فالعلاقة الوثيقة بين البحث العلميِّ والاقتصاد جعلت المعرفة موردًا إستراتيجيًّا لا يقلُّ أهميَّة عن الموارد الطبيعيَّة، بل يتفوَّق عليها في كثير من الأحيان.
واليوم تتنافس دولٌ عديدةٌ على بناء جامعات بحثيَّة قويَّة، إدراكًا منها أنَّ التفوُّق العلميَّ هو الطريق إلى النفوذ الاقتصاديِّ والتقنيِّ. وتجربة الصين في الاستثمار المكثَّف في البحث العلميِّ والتعليم العالي تعكس هذا الوعي المتزايد بأهميَّة المعرفة في تشكيل موازين القوَّة العالميَّة.
إنَّ الدرس الأبرز من هذه التجربة، هو أنَّ الأمم لا تتقدَّم بالموارد وحدها، بل بالاستثمار في الإنسان والعلم. فالجامعة التي تنتج المعرفة، وتدعم الابتكار قادرة على صناعة مستقبل أمتها. ولذلك تبقى الحقيقة التي أكَّدها التاريخ الحديث واضحةً: من يملك العلم يملك أدوات التَّأثير والريادة في العالم.
جامعات جامعة هارفارد