يشهد عالم الاستثمار الفردي اليوم طفرة غير مسبوقة مدفوعة بانتشار تطبيقات التداول التي تتيح تنفيذ الاوامر بضغطة زر وتوفر تدفقا لحظيا للاخبار. وبينما ساهمت هذه الادوات في جذب ملايين المتعاملين الجدد الى ساحات الاسواق المالية الا ان النتائج الواقعية تظهر فجوة كبيرة بين النشاط المفرط وتحقيق الارباح الحقيقية. كشفت بيانات حديثة صادرة عن مؤسسات مالية كبرى ان كثرة التداول لا تضمن بالضرورة عوائد مرتفعة بل على العكس تماما قد تكون هي السبب الرئيسي في تآكل المحافظ الاستثمارية.
واظهرت تقارير باركليز وجي بي مورغان ان المستثمرين الافراد اصبحوا يشكلون نسبة ضخمة من حجم التداولات اليومية مع تزايد وتيرة الشراء خلال فترات التقلب. واكدت هذه الدراسات ان الصورة الذهنية التي يروج لها البعض حول سهولة الربح السريع عبر المضاربة تتعارض مع الارقام التي تؤكد ان الثروة الحقيقية تُبنى بالصبر والالتزام باستراتيجيات طويلة الاجل بعيدا عن صخب البيع والشراء المستمر.
وبينت المؤشرات ان الاستثمار المنضبط ومنخفض التكلفة يظل المسار الاكثر أمانا وربحية لمعظم المتعاملين في الاسواق العالمية. واضاف الخبراء ان التكنولوجيا التي جعلت الوصول الى الاسواق سهلا قد تحولت لدى الكثيرين الى فخ يغري بالدخول في عمليات مضاربية خاسرة بدلا من التركيز على الاهداف المالية المستدامة.
فجوة السلوك المالي
وتشير نتائج تقرير انتبه الى الفجوة الصادر عن مورنينغستار الى وجود تباين واضح بين اداء الصناديق الاستثمارية وبين العوائد التي يحصل عليها المستثمرون فعليا نتيجة قراراتهم العاطفية. واوضحت البيانات ان الصناديق حققت متوسط عوائد سنوية تفوق ما يحصل عليه المستثمر الفرد بوضوح وذلك بسبب سوء توقيت الدخول والخروج من السوق الذي يفوّت على المتداولين فرص النمو الكبرى.
واكد الباحثون ان اكبر فجوة في العوائد تظهر لدى الفئات الاكثر نشاطا وتقلبات في قراراتهم الاستثمارية. واضاف التقرير ان الميل البشري للشراء عند ارتفاع الاسعار والبيع عند هبوطها يمثل عائقا رئيسيا امام تحقيق الارباح المستهدفة حيث يفقد المستثمر اجزاء كبيرة من العوائد التراكمية التي توفرها الاسواق بمرور الزمن.
وخلصت الدراسات الى ان السلوك الاستثماري هو المحرك الاول للنتائج وليس فقط اداء الاسهم ذاتها. وبينت ان الكثير من المستثمرين يقعون في فخ ملاحقة الاتجاهات الرائجة مما يحرمهم من الاستفادة من فترات التعافي التي تلي موجات الهبوط الحادة.
الوقت اهم من التوقيت
واظهرت تحليلات جي بي مورغان ان محاولة اقتناص افضل لحظات السوق قد تكون مكلفة للغاية وتؤدي الى نتائج عكسية. واوضحت البيانات ان البقاء في السوق طوال الوقت يحقق عوائد مستقرة بينما يؤدي تفويت عدد محدود من افضل ايام التداول الى خفض العوائد السنوية بشكل دراماتيكي وهو ما يجعل التوقيت مخاطرة غير محسوبة.
واكدت دراسات فانغارد ان افضل جلسات التداول تأتي غالبا في اعقاب فترات التقلب الشديد. واضافت ان المستثمر الذي يغادر السوق هروبا من المخاطر غالبا ما يفوّت فرص الصعود القوية التي تحدث فجأة مما يحول محفظته من الربح الى الخسارة في وقت قياسي.
وشدد خبراء المال على ان الوقت في السوق هو المعيار الحقيقي للنجاح الاستثماري. وبينوا ان العوائد الكبيرة لا تتحقق بانتظام وانما تتركز في ايام معدودة يصعب التنبؤ بها مما يعزز اهمية البقاء في الاستثمار بدلا من محاولة التنبؤ بحركة الاسعار.
لماذا يواصل المستثمرون التداول؟
ويرى خبراء التمويل السلوكي ان الثقة الزائدة بالنفس هي الدافع الرئيسي وراء استمرار المستثمرين في التداول المفرط. واضافوا ان الكثيرين يعتقدون انهم يمتلكون قدرة استثنائية على قراءة السوق وتفادي الخسائر وهو اعتقاد خاطئ دحضته عقود من البيانات التي تؤكد ان النشاط المتكرر يستنزف الثروات عبر الرسوم وعمولات التنفيذ.
وكشفت الدراسات ان تطبيقات التداول ومنصات التواصل الاجتماعي ساهمت في تعزيز هذه الظاهرة عبر الترويج لاسهم الميم والمضاربات قصيرة الاجل. واكدت ان الشعبية الاعلامية لسهم ما لا تعني بالضرورة جودته الاستثمارية بل غالبا ما تكون مصيدة للمستثمرين الافراد الذين يندفعون وراء الضجيج.
واظهرت المقارنات ان الاستراتيجيات القائمة على الانضباط تحقق نتائج تفوق بكثير تلك القائمة على التوصيات السريعة. واضاف المحللون ان الالتزام بخطة واضحة وتنويع المحفظة يظلان السلاح الاقوى في مواجهة تقلبات الاسواق وحماية راس المال من القرارات العاطفية.