أعاد اغتيال السياسية البريطانية آن ويديكوم داخل منزلها فتح ملف أمن السياسيين في المملكة المتحدة، وأثار تساؤلات واسعة بشأن تصاعد العنف السياسي في بلد طالما اعتُبر نموذجا للديمقراطية البرلمانية، في وقت تتشابك فيه تداعيات الاستقطاب الحاد الذي خلفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مع تنامي خطاب الكراهية والتهديدات عبر الإنترنت.
ويستعرض تقرير أعدته مراسلة الجزيرة مينة حربلو كيف تحولت الجريمة، التي يُحقق فيها بموجب قانون مكافحة الإرهاب بعد توقيف مشتبه به، إلى محطة جديدة في نقاش يتجاوز ملابسات الاغتيال، ليصل إلى مستقبل الحياة السياسية البريطانية وحدود حماية ممثلي الشعب في مرحلة تتسم بانقسامات متزايدة.
وكانت ويديكوم (78 عاما) من أبرز الوجوه المؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ غادرت حزب المحافظين لتنضم إلى حزب “البريكست”، قبل أن تعلن لاحقا دعمها لحزب “إصلاح المملكة المتحدة” اليميني الشعبوي، وعلى مدى 3 عقود، بقيت إحدى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في المشهد السياسي البريطاني.
وأكد رئيس الشرطة الوطنية لمكافحة الإرهاب لورنس تايلر أن المشتبه به لا يزال قيد الاحتجاز للاشتباه في ارتكاب جريمة قتل، إضافة إلى الاشتباه في الإعداد أو التحريض أو ارتكاب أعمال إرهابية، في مؤشر على أن السلطات تتعامل مع القضية باعتبارها تتجاوز جريمة جنائية تقليدية.
وأثارت الجريمة ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية، إذ أعرب رئيس الوزراء كير ستارمر أمام البرلمان عن صدمته وحزنه العميقين لمقتل ويديكوم، بينما توالت رسائل التعزية والدعوات إلى حماية العملية الديمقراطية من تصاعد أعمال العنف التي تستهدف الشخصيات العامة.

ذاكرة الاغتيالات السياسية
ولم يقتصر وقع الحادث على كونه اغتيالا لشخصية سياسية بارزة، بل أعاد إلى الواجهة سلسلة الهجمات التي استهدفت نوابا بريطانيين خلال السنوات الأخيرة، وهو ما عزز المخاوف من تحول العنف السياسي إلى ظاهرة متكررة تهدد العمل البرلماني.
ففي عام 2016، قُتلت النائبة العمالية جو كوكس بعدما تعرضت لإطلاق النار والطعن على يد متطرف يميني أثناء حملتها المؤيدة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وذلك قبل أيام فقط من الاستفتاء التاريخي الذي انتهى بخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي.
وبعد 5 سنوات، تعرض النائب المحافظ ديفيد أميس للطعن حتى الموت أثناء لقائه ناخبين داخل دائرته الانتخابية، في حادثة أعادت آنذاك النقاش حول أمن النواب، قبل أن يعيد اغتيال ويديكوم إحياء المخاوف ذاتها بصورة أكثر إلحاحا.
وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود أن العمل السياسي ينبغي ألا يتحول إلى مهمة محفوفة بالمخاطر، مشيرة إلى أن الحكومة تتحمل مسؤولية حماية من يختارون خدمة المواطنين عبر توفير الدعم الأمني والمشورة لأعضاء البرلمان.
وقالت إن وزارة الداخلية تعمل بالتنسيق مع الشرطة ودائرة الأمن البرلماني لتقديم إجراءات عملية تساعد النواب على مواجهة المخاطر، في ظل تزايد التهديدات التي تطالهم أثناء ممارسة مهامهم داخل دوائرهم الانتخابية أو عبر الفضاء الرقمي.

استقطاب يغذي التهديدات
لكن عددا متزايدا من المشرعين يرى أن الإجراءات الأمنية المباشرة لم تعد كافية، في ظل الدور المتنامي الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في نشر خطاب الكراهية والتحريض، وهو ما دفع إلى تصاعد المطالبات بفرض قيود أشد على شركات التكنولوجيا.
ويحذر سياسيون بريطانيون من أن الحملات المنظمة والإساءات والتهديدات المتداولة عبر الإنترنت أصبحت تمثل بيئة خصبة لتغذية التطرف والعنف، بما يفرض مراجعة العلاقة بين حرية التعبير ومسؤولية المنصات الرقمية عن المحتوى المنشور عليها.
وتتزامن هذه المخاوف مع استمرار الانقسام السياسي والمجتمعي الذي أعقب البريكست، إذ ما تزال تداعيات الاستفتاء تنعكس على طبيعة الخطاب العام، بينما تتزايد المخاوف من أن يسهم الاحتقان السياسي في توفير بيئة أكثر قابلية لتبرير العنف.
ويرى مراقبون أن اغتيال آن ويديكوم لا يختبر فقط قدرة الأجهزة الأمنية على حماية السياسيين، بل يطرح أيضا أسئلة أعمق حول مستقبل النقاش العام في بريطانيا، ومدى قدرة الطبقة السياسية على احتواء الاستقطاب وإعادة ترسيخ ثقافة الحوار والاحترام داخل الحياة الديمقراطية.
وعُثر على ويديكوم ميتة في منزلها بمنطقة ريفية جنوب غربي إنجلترا يوم الخميس 9 يوليو/تموز الجاري، مصابة بجروح وصفتها الشرطة بأنها خطيرة. وكانت النائبة السابقة عضوا بارزا في حزب “إصلاح المملكة المتحدة” الشعبوي بزعامة نايجل فاراج، بعد أن تركت حزب المحافظين إثر استقالتها من البرلمان عام 2010.