عادى من الناس أكثر مما صادق. وكان أحياناً، حين يُجالس سيجارته الزرقاء، يفكّر في أنه، يوم يموت ويُرفع نعشه على أكتاف قليلة إلى ذاك المثوى الأخير، سيكون روحاً هائمة فوق مشيّعيه، يسترق السمع إلى أفكارهم، ليعرف حقيقة مشاعرهم تجاهه. كانت هذه الفكرة تسلّيه فعلياً ساعات وساعات، إذ يرسم في رأسه سيناريوات مختلفة لما سيخرج من قلوب أصدقائه، الذين كانت زوجاتهم صديقاته أكثر، وبعضهن عشيقاته، ومن نفوس الذين مالقوه طويلاً بعدما داس عليهم في صعوده الدنيوي.
في لحظة، عاد في مسرحيته الوهمية خطوة إلى الوراء، وسأل: “يحملون نعشي على الأكتاف… إلى أين؟”. فعلياً، فاته التفكير في مثواه الأخير نحو أربعين عاماً، أي منذ خرج من طائفته خروج الرجل من بيت ضاق بأثاثه؛ لا غاضباً ولا منتصراً، بل حاملاً حقيبة صغيرة وقلباً يتسع لحب امرأة مسلمة سنية، وهو الموحّد الدرزي المتأصل في عرفانه التوحيدي. صار مسلماً سنياً على الورق، فالحب في بلادنا يحتاج إلى إفادة سكن، وإخراج قيد، وشاهدين، وقاضٍ شرعي، وربما إلى معجزة صغيرة مختومة بطابع مالي. يومها، لم يسأله أحد أين سيُدفن. فقد كان شاباً، وكان الموت بالنسبة إليه إشاعة ثقيلة الظل، ومادةً لسخرية تربطه ببعضهم، حين يرمونه بالتقمص في فكاهات صارت ممجوجة أخيراً.
تزوج وأنجب، وشاب القليل الباقي من شعره، وكبرت بطنه قليلاً، وصار له ثلاثة أحفاد، يسأله أكبرهم لماذا لا يصلي مثل جدته. “لأن الله يعرف عنواني”، يجيبه، عارفاً أن الصغير لن يفهم مراده، لكن الآخرين سيفهمون، فتنظر إليه زوجته نظرة نصفها عتاب ونصفها خوف.
كان ذاك الصباح بارداً جداً، حين وقف في القاعة الكبرى بقريته، ينظر إلى جثمان والده مسجّى على سرير أبيض، مرتدياً أبهى حلله المخططة… لعلها بزة زفافه نفسها!
سأل قريباً له إن كان سيحظى يوماً بأن يُدفن في “الخشخاشة” نفسها التي سيُدفن فيها أبوه اليوم. لم يقل له “لا”، فهذا واحد ممن لا يحبذون الإجابة المباشرة، إذ تحرمهم لذة الاجتهاد والتفسير.
لم يعرف يوماً لماذا يُدفن الموتى الدروز في هذه الحجرات الحجرية، كأنهم عظام يُحتفظ بها في خزانة قديمة. لكنه عرفها يومها أنه ليس من أهل الخزانة. ما أراد أن يرى الناس غضبه، أو هزأه، فسكت.
حين عاد إلى بيروت، سأل عن لحد في مقابر المسلمين. “يمكنك شراء قبر. يكلفك خمسة آلاف إلى عشرة آلاف دولار”. وهل يختلف سعر المدفن بحسب موقعه؟ وقربه من مدخل المقبرة مثلاً؟ أو بحسب ما إذا كان الموتى المجاورون هادئين، لا يحبون الصخب، وليس بينهم من ينفخ في بوق الجاز في منتصف الليل؟
اعتلى الوجوم وجه الشيخ، كأنه قرأ أفكاره، وقال: “ما في محل يا حاج. لازم تحجز على بكير”. حتى الموت، له سوق حرة.
مساءً، تقاطروا إلى منزله لتقديم واجب العزاء. كان الجميع هناك. قال فجأة: “أحرقوا جثتي وانثروني في أقرب مصرف ماء”، فسقط كلامه وسطهم كصحن خزف. “استقبلوا التعازي، وحين يغادر الناس وتنتهي أقراص المعمول، أحرقوني، أو حوّلوني إلى بخار. بلا قبر، بلا خشخاشة. واصرفوا الخمسة آلاف دولار، إن كانت في جيوبكم، في كازينو لبنان، عن روحي!”.
قهقه. بكت زوجته: “أربعون عاماً من الشجارات والمصالحات، والأولاد والديون، والشتائم الصغيرة والقبلات المسروقة، تُختصر في جرة يمكن وضعها فوق خزانة الأحذية. في تلك الساعة، قرر أن يتعامل مع موته بوصفه ملفاً إدارياً مؤجلاً. أخفى ورقة كتب فيها رغبته في درج مكتبه، بين فاتورة كهرباء قديمة وصورة له ولزوجته يوم زفافهما. كان يعرف أنهم لن ينفذوا ما فيها؛ فالأحياء يربحون دائماً معارك الموتى، فأي لهؤلاء أن يعترضوا؟.
هدأ قليلاً. فالقبر ليس سوى محاولة بشرية لإقناع الغائب، بعد الصلاة على روحه، بأنه ما زال يملك عنواناً. أما هو، فقد أمضى حياته هذه يتنقل بين الهويات، ويقف على أبواب لا تُفتح كاملة، ويُسمى درزياً حيناً، وسنياً حيناً، وعلمانياً كلما ضاق به الاثنان. ولا يعرف عن حيوات سابقة… ولا لاحقة. لم يعد يريد عنواناً أخيراً… ففي أية حال، إنه عائد!
في الصباح، استيقظوا جميعاً، إلّاهُ. جلست زوجته تقرأ الفاتحة وما تيسّر من آيات أمام جثمانه البارد. في الصالة، صدح سؤال واحد: “ماذا نكتب في ورقة النعي؟”.