كتبت: نــور علم الدين
ليس أخطر ما قد يحدث للإنسان أن يحزن .. أو يفشل .. أو يتعرض لصدمة… بل أن يستيقظ يومًا ويكتشف أن شيئًا ما بداخله قد انطفأ دون أن ينتبه …
ذلك الفراغ الذي لا يراه أحد … ولا تستطيع الكلمات أن تصفه … لأنه لا يظهر على الملامح .. بل يسكن في أعماق الروح …
تذكرتُ عبارة غازي القصيبي…. الفراغ يقتل أنبل ما في الإنسان … ولم تكن مبالغة… فالفراغ لا يترك المشاعر على حجمها الطبيعي .. بل يضخمها .. ويكبر الأشياء الصغيرة .. ويمنح الأحزان وزنًا يفوق حقيقتها .. حتى يصبح الإنسان أسير فكرة .. أو ذكرى .. أو خوف لم يكن ليؤذيه لولا أنه وجد داخله مساحة فارغة يتمدد فيها ……
أحيانًا نبحث عن أشخاص ليملؤوا هذا الفراغ .. بينما الحقيقة أن ما نفتقده ليس شخصًا… بل أنفسنا التي أضعناها ونحن نركض خلف كل شيء… إلا السلام ..
وحين يبتعد الإنسان عن الله .. يتسع داخله فراغ لا يملؤه مال .. ولا نجاح .. ولا شهرة .. ولا حتى الحب .. فالقلوب لا تستريح إلا بالقرب ممن خلقها .. وكل امتلاء بعيدًا عنه يبقى ناقصًا .. مهما بدا كاملًا …..
ولعل أجمل ما لخص هذا المعنى قوله تعالى ……..
( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ) … تأملت الآية طويلًا… فجاء الأمر مباشرة “فانصب” وكأن الفراغ مساحة خطرة لا ينبغي أن تطول .. لأن النفس إذا تُركت بلا هدف .. بحثت عن أي شيء يملؤها .. وإن كان يؤذيها…
ولذلك قال ابن القيم رحمه الله ….. ( إن النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ) ..
فالفراغ ليس وقتًا زائدًا… بل هو مساحة تشير دائمًا إلى شيء مفقود …..
وأزمة الإنسان المعاصر ليست قلة الوقت كما يظن …. بل فراغ المعنى. فإذا غاب الهدف … أصبح الوقت عبئًا .. وصارت الروح بيتًا مهجورًا .. تتسرب منه الطمأنينة بصمت … وكلما شعرت أن الدنيا قد أفرغت قلبك … فتذكر أن القلب الذي يمتلئ بالله .. لا يعرف الفراغ أبدًا …
وقد أشارت دراسات علم النفس إلى أن الدماغ في لحظات الفراغ الطويلة يُفعّل ما يُعرف بـ شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network) … وهي شبكة تجعل الإنسان يعود إلى دوائر التفكير المرهق .. يراجع .. ويحلل .. ويسترجع .. ويلوم نفسه .. حتى يستهلك طاقته في معارك لا يراها أحد .. وكأن العقل حين لا يجد ما يبنيه .. يبدأ بهدم صاحبه من الداخل ……
ولهذا قال محمد شكري ( على المرء أن يبقى مشغولًا… بالقدر الذي يبقيه من تعاسته) …
الفراغ ليس عيبًا… لكنه رسالة…
رسالة تخبرك أن هناك جزءًا في داخلك يحتاج أن يُرمم .. لا أن يُلهى .. وأن ما ينقصك ليس المزيد من الضجيج .. بل لحظة صدق مع نفسك…..
وربما لهذا نشعر أحيانًا أن في داخلنا جهة لا يعبرها أحد …
( في داخلي جهةٌ لا يعبرها أحد… حتى أنا …. حتي أنا .. أطرقها بحذر ) ….
ولدي أشياء لم تعد تتسع لها الروح… ولدي مقعد فارغ في كل مكان أذهب إليه… وهذا يكفي أحيانًا… بل أكثر مما يكفي …..
تذكر دائمًا … ليس كل ما يبدو ممتلئًا حيًا … وليس كل ما يبدو هادئًا مطمئنًا… فبعض القلوب تموت ببطء … لا لأن الحياة قاسية .. بل لأن الفراغ وجد فيها مكانًا .. ولم تجد هي المعنى الذي يستحق أن تعيش لأجله ..
وقد نظن أن كل شيء يبدو جميلًا من بعيد… لكن الحقيقة تختلف حين نقترب ..
فالإنسان لا يحتاج إلى أوهام جميلة .. بل إلى حقيقة تمنحه السلام .. حتى وإن كانت أصعب … وكما أن التعود قد يسلب الإنسان حقيقته .. فإنه قد يجعله سجين ما اعتاده .. لا ما يستحقه .. ولهذا ينبغي أن يراجع المرء نفسه بين حين وآخر ……
هل يعيش لأنه اعتاد الحياة .. أم لأنه وجد معناها ….؟
ولن تجد في الناس كاملًا… فابحث عمن لا يؤذيك نقصه….
وفي النهاية… لا تسمح للفراغ أن يسرق منك نفسك…..
املأ أيامك بعلم تتعلمه .. أو هدف تسعى إليه .. أو عمل تتقنه .. أو عبادة تصلح قلبك ..
فإن فرغت … فلا تترك روحك معلقة في التيه .. ولا تستسلم للتشتت والانهيار …
وجه رغبتك .. وشغفك .. وتعبك .. وكل ما فيك إلى الله ..
( وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ ) …..
لأن أخطر أنواع الفراغ… ليس فراغ الوقت …. بل فراغ القلب من المعنى ..وفراغ الروح من الطمأنينة .. وفراغ الإنسان من نفسه …
وأخيرًا …………
يبقى الفراغ … أكثر الأشياء خفاءً .. وأشدها فتكًا .. فهو لا يسرق من الإنسان عمره .. بل يسرق منه نفسه .. حتى يصبح غريبًا عنها… وذلك هو الفراغ الذي لا يراه أحد ……