المهندس مدحت يوسف: آليات واضحة لسداد المتآخرات بالتوازى مع خطط زيادة الانتاج
النائب إبراهيم نظير: رسالة قوية للشركات العالمية.. ودفعة إيجابية لتغطية احتياجاتنا المحلية
في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه أسواق الطاقة العالمية، وتتصاعد فيه التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية التي تلقى بظلالها على حركة الاستثمارات وسلاسل الإمداد، برز ملف سداد مديونيات شركات البترول الأجنبية في مصر كأحد أبرز الملفات التي تعكس قدرة الدولة على إدارة التزاماتها الاستراتيجية تجاه شركائها الدوليين، وتعزيز ثقة المستثمرين في بيئة الأعمال المحلية.
فخلال الأيام القليلة الماضية، تمكنت الدولة المصرية من الوصول إلى مرحلة “تصفير المديونية” المستحقة لشركات البترول الأجنبية العاملة في قطاعي الغاز والزيت، بعد أن كانت المتأخرات تقدر بنحو ٦,١ مليار دولار في خطوة وصفت بأنها تحول نوعي في مسار العلاقة بين الحكومة المصرية وشركات الطاقة العالمية ورسالة واضحة للأسواق الدولية حول التزام الدولة بتعهداتها المالية رغم الضغوط الاقتصادية.
في هذا السياق أكد النائب إبراهيم نظير، عضو لجنة الطاقة بمجلس النواب، بأن مصر تمكنت
خلال الفترة الأخيرة من تحقيق إنجاز مهم على صعيد ملف الالتزامات المالية تجاه شركات البترول الأجنبية العاملة في قطاعى الغاز والزيت، حيث نجحت الدولة فى الوفاء الكامل بهذه الالتزامات المالية، وذلك تنفيذا لما تم الاتفاق عليه منذ يونيو ٢٠٢٤، وصولا إلى إعلان تصغير المديونية المستحقة لتلك الشركات، بعد أن كانت المتأخرات تقدر بنحو ٦,١ مليار دولار وهذا التطور يعكس جدية الدولة المصرية في التعامل مع ملف الشركاء الأجانب في قطاع الطاقة، ويؤكد التزامها الكامل بسداد مستحقاتهم وفق جداول زمنية واضحة ومرنة، بما يحافظ على استقرار العلاقات الاستثمارية ويعزز الثقة المتبادلة بين الحكومة المصرية والشركات العالمية العاملة فى مجالات البترول والغاز والوصول إلى مرحلة تصغير المديونية يعد خطوة فارقة في هذا القطاع الحيوي، خاصة أنه كان خلال السنوات الماضية أحد أبرز التحديات التي تواجه بيئة الاستثمار في مجال الطاقة.
وأكد عضو لجنة الطاقة بمجلس النواب أن سداد هذه المستحقات يمثل رسالة قوية ومباشرة إلى الأسواق العالمية، مفادها أن الدولة المصرية ملتزمة بتعهداتها المالية بالكامل، وتتعامل بجدية مع التزاماتها تجاه المستثمرين الأجانب، وهو ما يعزز من صورة الاقتصاد المصرى على المستوى الدولي ودفعة إيجابية قوية لقطاع الطاقة والاستثمار، لما تحمله من دلالات واضحة على استقرار السياسات الاقتصادية والمالية للدولة وقدرتها على تجاوز التحديات المرتبطة بتقلبات أسواق الطاقة العالمية.
وأضاف نظير أن إنهاء ملف المتأخرات المستحقة الشركات البترول الأجنبية ينعكس بشكل مباشر على تعزيز ثقة المستثمرين في مناخ الاستثمار داخل مصر، حيث يبعث برسالة طمأنة إلى الشركات العالمية بأن السوق المصرية أصبحت أكثر استقرارًا وجاذبية لرؤوس الأموال الأجنبية، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية وعلى رأسها قطاع البترول والغاز الطبيعي، الذي يعد من أهم القطاعات المحركة للاقتصاد الوطنى وشهد قطاع البترول المصرى خلال الفترة الأخيرة حالة من النشاط الملحوظ في أعمال التنمية والتطوير، وهو ما انعكس على زيادة معدلات الاكتشافات البترولية والغازية، إلى جانب إضافة كميات جديدة من الإنتاج إلى الشبكة القومية وهذا التحسن لم يأت من فراغ، وإنما نتيجة خطط مدروسة واستثمارات تم تنفيذها خلال العامين الماضيين، استهدفت رفع كفاءة القطاع وزيادة قدرته الإنتاجية.
وأشار إلى أن منطقة الصحراء الغربية كانت من أبرز المناطق التي شهدت تطورا ملحوظا في هذا الإطار، حيث تم تحقيق عدد من الاكتشافات البترولية المهمة التي ساهمت في دعم الاحتياطيات وتعزيز معدلات الإنتاج، وهو ما يعكس نجاحخطط الاستكشاف والتنمية التي تنفذها الشركات العاملة بالتعاون مع وزارة البترول والثروة المعدنية ومصر تمتلك مجموعة كبيرة من المقومات التي تؤهلها لتكون واحدة من أهم الوجهات الجاذبة للاستثمارات في قطاع الطاقة على مستوى المنطقة في ضوء ما تمتلكه من احتياطيات واعدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام، إلى جانب الثروات التعدينية المتنوعة التي لم يتم استغلالها بالكامل بعد، كما أن البنية التحتية المتطورة التي نجحت الدولة في تطويرها خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر، يمنحانها ميزة تنافسية كبيرة في جذب الاستثمارات الأجنبية في هذا القطاع الحيوي.
و توقع نظير أن تشهد الفترة المقبلة دخول المزيد من الشركات العالمية العاملة في مجالات الطاقة والتعدين إلى السوق المصرية، في ظل تحسن مناخ الاستثمار وتطور السياسات الاقتصادية المرتبطة بهذا القطاع.
من جانبه أكد المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن مستحقات شركات النفط
الأجنبية لدى الهيئة العامة للبترول بدأت في التراكم منذ عام ۲۰۲۲ ، لتصل إلى نحو ٦ مليارات دولار، وذلك في ظل تراجع احتياطي النقد الأجنبى آنذاك، وعدم قدرة الدولة على الوفاء بكامل التزاماتها المالية في تلك الفترة وفي أغسطس ٢٠٢٤ وضعت الحكومة خطة تستهدف ربط سداد المتأخرات بزيادة معدلات الإنتاج، بما يضمن استمرار تدفق الاستثمارات في قطاع الطاقة، ويحفز الشركات الأجنبية على التوسع في ضخ استثمارات جديدة، دعما لعمليات التنمية ورفع مستويات الإنتاج المحلى من النفط والغاز وهذه التحركات جاءت بعد تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو ٤,٦ مليار قدم مكعب يوميا، وهو مستوى لا يكفى لتلبية الاحتياجات المحلية، الأمر الذي دفع الدولة إلى استيراد ما بين ١٥٥ إلى ١٦٠ شحنة من الغاز المسال خلال عام ٢٠٢٥
وأضاف يوسف أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر كانت قد قلصت من حجم استثماراتها خلال عامی ۲۰۲۱ و ۲۰۲۲ ، نتيجة تراكم المستحقات المالية لديها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على وتيرة تنمية الحقول النفطية والغازية، وأدى إلى ضغوط على مستويات الإنتاج وهذا الوضع بدأ في التحسن مؤخرا مع تحرك وزارة البترول لوضع آليات واضحة السداد المتأخرات بالتوازي مع خطط لزيادة الإنتاج وتعزيز كفاءة القطاع، حتى تمكنت الوزارة من إنهاء هذه المستحقات هذه الأيام.
و تابع نائب رئيس هيئة البترول الأسبق أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر تتولى عمليات البحث والاستكشاف وتنمية الحقول بهدف رفع معدلات الإنتاج، إلا أن ارتفاع تكاليف التطوير، إلى جانب بيع حصتها من الإنتاج لصالح وزارة البترول بالدولار يؤدى إلى تراكم مستحقات مالية لهذه الشركات لدى الحكومة، وهو ما فسر حجم المتأخرات خلال الفترة الماضية، مشيرا إلى أن الدولة تستهدف رفع إنتاج الغاز الطبيعي إلى ٦.٦ مليارات قدم مكعب يوميا بحلول عام ۲۰۳۰، مقارنة بنحو ٤.٢ مليارات قدم مكعب حاليا، بنسبة زيادة تصل إلى ٥٨٪، وتشمل الخطة الحكومية حفر ١٤ بترا استكشافية في البحر المتوسط خلال عام ۲۰۲٦ بهدف تقييم احتياطيات
تقدر بنحو ۱۲ تريليون قدم مكعب من الغاز
ولفت إلى أن مصر ستواصل استيراد الغاز المسال حتى عام ۲۰٣٠، بالتوازي مع التوسع في تشغيل سفن التغوين حيث تعمل حاليا سفن في ميناء العين السخنة بطاقة استيعابية تصل إلى ٢,٢٥ مليار قدم مكعب يوميا، إلى جانب سفينة “إينيرجوس وينتر” في ميناء دمياط بطاقة ٤٥٠ مليون قدم مكعب يوميا وذلك ضمن استراتيجية تأمين الإمدادات وتقليل فاتورة الاستيراد تدريجيا خلال السنوات المقبلة.
وشدد يوسف على أن سداد مستحقات الشركات الأجنبية من شأنه أن يعيد بناء الثقة مع الشركاء الدوليين، ويدفع نحو زيادة أعمال الاستكشاف والتطوير بما ينعكس إيجابا على إنتاج الغاز الطبيعي اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، ويقلل من احتمالات العودة إلى سياسات تخفيف الأحمال التي شهدتها البلاد في فترات سابقة.
في سياق متصل أكد حسام عيد، خبير أسواق المال أن برنامج الطروحات الحكومية يعد من أبرز الآليات التي تمتلكها الدولة لدعم سوق المال المصرى وتعزيز قدرته على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية مشيرا إلى أن التوسع في طرح شركات تنتمى إلى قطاعات متنوعة، مثل البنوك والطاقة والبترول يسهم في زيادة عمق السوق وتنويع الفرص الاستثمارية المتاحة أمام المستثمرين.
وأوضح عيد أن اتجاه الحكومة لطرح شركات جديدة من قطاع البترول يعكس رؤية تستهدف توسيع قاعدة الشركات المقيدة بالبورصة، وهو ما يمثل عاملا إيجابيا في تنشيط التداولات وزيادة السيولة وجذب رؤوس أموال جديدة إلى السوق. وأضاف أن نجاح أي طرح حكومي يعتمد بشكل رئيسي على عنصرين أساسيين، يتمثل الأول في الترويج الجيد للشركات المطروحة محليا ودوليا بينما يتمثل الثاني في وضع تسعير عادل يعكس القيمة الحقيقية للأصول ويحقق التوازن بين مصالحالدولة والمستثمرين.
وأشار إلى أن إدراج شركات قوية وذات مراكز مالية مستقرة ضمن برنامج الطروحات الحكومية من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين الأجانب في السوق المصرية، ويزيد من تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر، الأمر الذي ينعكس بصورة إيجابية على الاستثمارات المباشرة داخل الاقتصاد المصرى بمختلف قطاعاته.
وأضاف عيد أن البورصة المصرية تمثل إحدى أهم أدوات التمويل منخفضة التكلفة بالنسبة للشركات خاصة في ظل الارتفاع المستمر لتكاليف الاقتراض عالميا، موضحًا أن تفعيل برنامج الطروحات الحكومية بشكل واسع يتيح للشركات الحصول على التمويل اللازم للتوسع في أنشطتها التشغيلية والاستثمارية دون الاعتماد المفرط على الاقتراض بما يدعم معدلات النمو في الإيرادات والأرباح ويعزز من تنافسية تلك الشركات.
وأكد أن البرنامج يسهم كذلك في تخفيف الاعتماد على أدوات الدين الخارجي، من خلال توفير بدائل تمويلية أكثر استدامة، مشيرا إلى أن تحسن أداء الشركات المقيدة وزيادة أرباحها القابلة للتوزيع ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الكلي، سواء من خلال دعم الموازنة العامة للدولة أو تعزيز الاستقرار المالي وزيادة تدفقات النقد الأجنبي ورفع مستويات الاحتياطي النقدي.
وفيما يتعلق بدور المستثمرين الأفراد، أوضح عيد أنهم يمثلون عنصرا مهما في نجاح الطروحات العامة، حيث تمنحهم هذه الطروحات فرصة للاستثمار فى شركات كبرى وتحقيق عوائد جيدة على المدى المتوسط والطويل، إلى جانب مشاركة المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار والمستثمرين ذوى الملاءة المالية المرتفعة في الطروحات الخاصة.
واستشهد خبير أسواق المال بتجربة طرح شركة أرامكو السعودية عام ۲۰۱۹، والتي تعد من أكبر الطروحات العامة في تاريخ الأسواق العالمية، موضحا أن الطرح نجح في جمع أكثر من ٢٥ مليار دولار وأسهم في توفير التمويل اللازم لخطط التوسع والنمو بالشركة، وهو ما انعكس بصورة إيجابية على نتائجها المالية وأدائها خلال السنوات التالية.