اخبار

الاتفاق الإطار | النهار

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
الاتفاق الإطار | النهار

كان من الطبيعي أن يثير الاتفاق الموقع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل هذه العاصفة السياسية والنقاش الدستوري بالنظر إلى أبعاده الناجمة ليس فقط من مضمونه بل من الدلالات التي يشير إليها عن المرحلة التاريخية التي دخلها لبنان عبر هذا الاتفاق. فمن البديهي القول بأن ما بعد الاتفاق لن يكون كما قبله على صعيد موقع لبنان وخروجه من مرحلة الحرب المفروضة عليه والمخاضة باسمه وعلى أرضه.

 

كما أنه ومن دلالاته الهامة المتصلة بعمل المؤسسات الدستورية ومدى انتظامه، أن لبنان أصبح أيضًا في مرحلة جديدة على هذا المستوى، لأن النقاش سوف ينحصر داخل المؤسسات وليس خارجها والمسألة اليوم أصبحت حول ما إذا كان يحتاج الاتفاق إلى عرضه على مجلس النواب لإقرار قانون يجيز إبرامه أم يُكتفى بإبرامه في مجلس الوزراء تبعًا للتفسيرات التي تُطلق حول المادة 52 من الدستور. وهذه النقطة بصرف النظر عن مآلها تعتبر انتصارًا كبيرًا للدستور ولمنطق الاحتكام إليه باعتباره محور الحياة العامة والمرجع الذي يُلجأ إليه في السياسات والقرارات الهامة والمصيرية.

 

العناصر التي يتكون منها الاتفاق ترجّح اعتباره من النوع الذي لا يحتاج إبرامه إلى إجازة مجلس النواب ويُكتفى بشأن إبرامه بقرار من مجلس الوزراء الذي سبق له أن باشر بهذا المسار الدستوري عندما أخذ علمًا بتعيين الوفد المفاوض واعتبر بأن إبرام الاتفاق يحتاج إلى عرضه على مجلس الوزراء للموافقة، وهذا ما يُرجح حصوله. وهذه الموافقة تتم بغالبية الثلثين من مجلس الوزراء وفقا للفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور التي تنص على تعداد المواضيع الأساسية التي تحتاج إلى هذه الغالبية والتي تشمل الاتفاقات الدولية. 

 

هذا الموقف هو تأييد لآراء أهل الفقه الدستوري الذين فصّلوا البحث وأوضحوا بأن الاتفاق الأخير ليس اتفاقًا تجاريًا وليس معاهدة ترتب أعباء على مالية الدولة، من أجل اشتراط الحصول على موافقة مجلس النواب. وفي ما يتعلق بالأعباء المالية المفترضة أو المحتمل حصولها لا يمكن التوسّع في تخيّل هذه الاحتمالات وتصوّر التبعات المالية لأن هذا المنهج يخالف نص المادة 52 من الدستور لأنه يجعل من جميع المعاهدات بحاجة إلى موافقة البرلمان، ولأن تفسير النص الدستوري لا يجوز أن يتم عبر التوسّع في إعطائه مضامين ومدلولات تؤدي إلى الانحراف عن معناه وغاياته الواضحة، ولأنه يفهم منه بأنه يعني فقط المعاهدات التي ترتّب إنفاقًا محدّدًا على عاتق الدولة لا يمكن تنفيذه إلا في حال تم فتح اعتماد في موازنة الدولة بحيث يصبح الإنفاق نتيجة مباشرة لتطبيق المعاهدة.

 

أهمية هذا النقاش إذًا في العودة إلى داخل المؤسسات، والمقارنة بين الاتفاق الأخير والاتفاق المتعلق بالحدود البحرية الذي خالف لبنان فيه دستوره في جميع مراحله من التفاوض إلى التوقيع من دون إبرام، يكفي لإدراك أهمية التطور الحالي في محورية الدستور.

 

مقارنة أخرى مفيدة لا بد منها وهي بين الاتفاق الحالي واتفاقية الهدنة للعام 1949 التي أبرمت في مجلس الوزراء ولم تُعرض على مجلس النواب والسبب في حينه أنها كانت تقتصر على تدابير الانسحاب والترتيبات العسكرية (تنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 62/ 1948) واتفاق اليوم الذي يتضمن مواضيع مماثلة تُختصر بالانسحاب إلى الحدود الدولية والتدابير العسكرية المترافقة معه. وبصرف النظر عن خصوصيات كل مرحلة، كلاهما يندرج في الفئة نفسها. ولهذا السبب ولئن كانت اتفاقية الهدنة دائمة وتجاوزت السنة لكنها لم تكن تعرض على مجلس النواب لإقرارها وهي تشبه الاتفاق الأخير الذي لا يحتاج بدوره إلى ذلك.