اخبار

مؤتمر هرتسيليا.. إسرائيل بين هاجس الأمن وشبح التفكك

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
مؤتمر هرتسيليا.. إسرائيل بين هاجس الأمن وشبح التفكك

حمل مؤتمر هرتسيليا 2026 عنوانا كاشفا للحظة الإسرائيلية: “بين الأمن القومي والحصانة القومية”، وخلال يومين من المداخلات، بدت النخبة السياسية والأمنية والأكاديمية في إسرائيل كأنها تتحاور حول سؤال واحد: كيف يمكن لدولة تمتلك قوة عسكرية واسعة أن تبدو قلقة إلى هذا الحد من تماسكها الداخلي ومن قدرتها على تحويل الضربات العسكرية إلى نتائج سياسية؟

وقد قدّم اليوم الأول الإطار الفكري للأزمة، بينما حوّل اليوم الثاني العنوان إلى ملفات عملية وهي إيران ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية والعلاقات الخارجية والتجنيد وميزانية بناء القوة، ومن تلاقي هذه المداخلات تتشكل زاوية التقرير: إسرائيل لا تناقش الأمن بوصفه قدرة على القصف والاعتراض فقط، وإنما بوصفه شبكة أوسع تضم القانون والخدمة العسكرية والشرعية الدولية والاقتصاد والثقة بين الدولة ومواطنيها.

وافتتح اللواء احتياط عاموس غلعاد، رئيس معهد السياسة والإستراتيجية في جامعة رايخمان ورئيس سلسلة مؤتمرات هرتسيليا، المؤتمر بالقول إن غياب “التبصر الإستراتيجي” يمنع تحويل الإنجازات العسكرية إلى نتائج، واستمرار أزمات الحصانة، ومنها نشوء “دولة داخل دولة من المتهربين”، سيجعل الإيرانيين “يحتاجون فقط إلى الانتظار”.

عقد متصدع

من جانبه تحدث الرئيس يتسحاق هرتسوغ عن لحظة حسم في تاريخ إسرائيل، لا تتعلق فقط بتغيير حكومة، وإنما بمسار المستقبل المشترك، مشيرا إلى أنه لا يمكن لمجتمع يشعر فيه كل طرف بأنه “أقلية مضطهدة” أن يحافظ على قواعد اللعبة طويلا، ومن هنا طرح ما سماه “العقد الإسرائيلي” بثلاث ركائز: القانون، والانتماء، والمستقبل.

هرتسوغ - مؤتمر هرتسيليا 2026 @المتحدث باسم الاعلام الحكومي

ويتكامل هذا الطرح مع كلام مراقب الدولة متنياهو إنغلمان، الذي نقل فكرة الحصانة من مستوى القيم إلى مستوى المحاسبة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، قائلا إن مكتبه نشر 50 تقريرا بشأن قضايا مرتبطة بالحرب، وإن عائلات ضحايا حفل “نوفا”، حيث قُتل 400 شخص، تستحق إجابات، كما شدد على أن أي جسم تحقيقي حول 7 أكتوبر/تشرين الأول “واجب الواقع”.

إيران وحدودها

وفي محور إيران، جاء كلام البروفيسور بوعز غانور، رئيس جامعة رايخمان ومؤسس معهد سياسات مكافحة الإرهاب، الأكثر حدة في نقد منطق النصر العسكري، إذ رأى غانور أن إسرائيل والولايات المتحدة ربما انتصرتا تكتيكيا في الحملة الأخيرة ضد إيران، لكنهما خسرتا إستراتيجيا؛ فالنظام الإيراني لم يسقط، والبرنامج النووي لم يُقض عليه، والمواد المخصبة لم تُدمّر، ومنظومة الصواريخ أُعيد بناؤها بسرعة.

ويتفق نفتالي بينيت، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب “بيحاد”، مع غانور على أن الضربة العسكرية وحدها لا تكفي، لكنه يختلف معه في وصف العلاج، حيث قال بينيت إن إسرائيل بلغت 1000 يوم منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، بينما “حماس تتسلح في الجنوب، وحزب الله يصبح أكثر قوة، ورأس الأخطبوط في طهران ما زال صامدا”. لذلك اقترح إضافة عنصر خامس إلى عقيدة الأمن الإسرائيلية هو “المبادرة”، إلى جانب الردع والإنذار والحسم والدفاع.

أما في نقده لنتنياهو، فقدّم بينيت رقما سياسيا حساسا: إيران، كما قال، تجاوزت نسب تخصيب 3% و20% و60%، بينما لم تبنِ إسرائيل بين عامي 2018 و2021 قدرة كافية أو خطة بديلة لمواجهة اختراق إيراني نحو السلاح النووي، ويختصر قوله “لا توجد خطة” جانبًا من شعور النخبة الأمنية بأن القوة وحدها لا تعوض غياب التخطيط.

نفتالي بينت - مؤتمر هرتسيليا 2026 @منصة اكس - @Itongadol

قوة بلا سياسة

وقال غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الأسبق وزعيم حزب “يشار” في مقابلته مع دانا فايس، إن إسرائيل لا تنجح في استثمار إنجازات الجيش سياسيا، وإن “الطابق الإستراتيجي” للدولة تضرر، مجلس أمن قومي ضعيف، وكابينت لا يعرف طرح الأسئلة الصحيحة، وحرب تمتد من دون سعي واضح إلى “حالات نهاية”. وتحدث عن مناطق الأمن في لبنان وسوريا وغزة كوسيلة ورافعة، لا كاحتلال مفتوح لأجيال.

وفي الجهة اليمينية من المعارضة، جاء أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع السابق ورئيس “إسرائيل بيتنا”، ليمنح النقد بعدا آخر حيث قال إن إسرائيل في اليوم 999 منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، وإن وضعها الإستراتيجي “لا يمكن أن يكون أسوأ”، مع جبهات مفتوحة ضد إيران وحزب الله وحماس، إضافة إلى الجبهة الداخلية.

ووضع زعيم المعارضة يائير لبيد، العلاقات الخارجية في قلب معادلة الأمن فقال إن علاقات إسرائيل الخارجية “لم تكن أبدا بهذا السوء”، واصفا الوضع بأنه “كارثة” صنعتها الهواية والغطرسة وقراءة الواقع بصورة مشوهة، وذكر أن إسرائيل استبدلت 13 مسؤولا في الخارجية خلال ثلاث سنوات، وتركت منظومة الدعاية الوطنية عامين ونصف دون رئيس، وعيّنت مقربين في مواقع حساسة.

وتتعمق هذه المخاوف في النقاش المتعلق بالولايات المتحدة، فقد أشار أحد المتحدثين في اليوم الثاني إلى تراجع الدعم لإسرائيل بين الشباب الجمهوريين في الفئة العمرية 35-50 إلى نحو 50%، مع ارتفاع التأييد للفلسطينيين في استطلاعات الرأي العامة، بما بدأ يضغط على الكونغرس في ملف المساعدات العسكرية.

كلفة الأمن

ونقل اللواء احتياط أمير برعام، المدير العام لوزارة الدفاع، النقاش إلى كلفة بناء القوة، فوصف المرحلة بأنها “استراحة عملياتية” لا نهاية مواجهة، محذرا من أن اتفاقات دولية قد تضخ مئات المليارات في إيران وتسرّع بناء قوتها، ودعا إلى تنفيذ خطة بناء قوة بقيمة 350 مليار شيكل (نحو 94.6 مليار دولار) تشمل منظومات اعتراض، وذخائر هجومية، وموارد استخبارية، واستعادة جاهزية منظومات استنزفت في البر والجو.

مدير عام وزارة الدفاع برعام يتفقد شركة "رفائيل"، وهي كبرى شركات الصناعات العسكرية الإسرائيلية. المتحدث باسم وزارة الدفاع الإسرائيلية التي عممها للاستعمال الحر لوسائل الإعلام

وأضاف برعام بعدا مهما للعلاقة مع واشنطن بقوله إن إسرائيل تفكر في إيران، بينما تفكر الولايات المتحدة في تايوان، لذلك، في عصر “أمريكا أولاً”، لا تكفي القيم المشتركة؛ الشراكة تحتاج إلى مصالح باردة، وإلى إسرائيل قوية تستطيع تثبيت المنطقة وتخفيف العبء عن واشنطن حسب قوله.

ويكشف مؤتمر هرتسيليا أن إسرائيل لا تخشى خصومها فقط، بل تخشى أن تواجههم بمجتمع أقل تماسكا ودولة أقل قدرة على التخطيط، حيث يتفق أغلب الساسة على أن القوة العسكرية تفقد جزءا من معناها حين تنفصل عن القانون والحصانة والشرعية، وسؤال المؤتمر لم يكن كيف تنتصر إسرائيل في الحرب المقبلة، وإنما كيف تتجنب أن يتحول نصرها التكتيكي إلى خسارة وطنية طويلة.