هناك أخبارٌ تمرُّ على الإنسان فيقرأها ثمَّ يمضي، وهناك أخبارٌ تتوقَّف عندها الكلماتُ، ويثقل بها القلبُ قبل العين. وخبرُ سقوط المروحيَّة التَّابعة لشركة أرامكو السعوديَّة، ووفاة أربعة عشر من أبناء الوطن من المهندسِينَ والفنيِّين، كان من النَّوع الذي لا يُقرَأ كخبرٍ، بل يُشعر به كفقدٍ يمسُّ كلَّ بيت سعوديٍّ.
في مثل هذه اللَّحظات، لا يكونُ الحزنُ حزنَ أسرٍ فقدت أبناءَها، بل يصبح حزنَ وطنٍ بأكمله. فكلُّ واحد من هؤلاء الرجال خرج في صباح يومه يحملُ مسؤوليَّة عمله، وطموحه، وأحلام أُسرته، كما يفعل آلافُ العاملِين يوميًّا في خدمة وطنهم، ولم يكن أحدٌ يتصوَّر أنْ تكون تلك الرحلة آخرَ رحلةٍ في حياتهم.
إنَّ المهندسَ والفنيَّ ليسا مجرَّد موظَّفَين يؤدِّيَان واجبًا وظيفيًّا، بل هُما جزءٌ من منظومة البناء التي قامت عليها نهضةُ المملكةِ الحديثة. فمن خلف كلِّ مشروع صناعيٍّ، وكلِّ منشأة نفطيَّة، وكلِّ محطَّة إنتاج، يقفُ رجالٌ يعملُون بصمتٍ، بعيدًا عن الأضواء، يواجهُونَ المخاطر، ويتحمَّلُون المسؤوليَّة؛ ليبقى اقتصادُ الوطن قويًّا، وتنميته مستمرَّة، ومستقبله أكثر إشراقًا.
تعيش المملكةُ حالةً من الحزن الصَّادق، فالتَّعازي لا تخرج فقط من المؤسَّسات الرسميَّة، بل من قلوب المواطنِين الذين شعرُوا أنَّ المصاب يخصُّهم جميعًا، وهذا هو سرُّ هذا الوطن العظيم، ففي الأفراح يلتفُّ أبناؤه حول بعضِهم، وفي الأحزان يقفُون صفًّا واحدًا، تتَّحد فيه المشاعرُ والدَّعواتُ والقلوبُ.
إلى أُسرِ الشهداء، مهما قِيل من كلماتٍ، فلن تعوِّض غياب الأحبَّة، لكنَّ عزاءَكم أنَّ أبناءكم رحلُوا وهم يؤدُّون أعمالهم، مخلصِينَ في خدمة وطنهم، تاركِين خلفهم سيرةً طيِّبةً، وذِكرًا حسنًا، وأثرًا لنْ يُنسَى، وفقدُهم ليس خسارةً لكم وحدكم، بل هو خسارةٌ لوطن يعرف قيمة أبنائه، ويعتزُّ بكلِّ مَن يخلص في خدمة دينه، ثمَّ قيادته، ووطنه.
ويبقى الإيمانُ بقضاء اللهِ وقدرهِ هو البلسم الذي يخفِّف ألم الفَقْد، فما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقَى، ومَا هذهِ الدنيَا إلَّا رحلةٌ قصيرةٌ، يرحلُ فيها الإنسانُ، ويبقى أثرُه الطَّيب وعملُه الصَّالح.
رحمَ اللهُ أبناءَ الوطن الأربعة عشر رحمةً واسعةً، وأسكنهم الفردوسَ الأعلَى من الجنَّة، وألهمَ ذويهِم الصَّبر والسِّلوان، وحفظَ اللهُ المملكةَ وأبناءَها العاملِينَ في كلِّ ميدانٍ، وجعل هذا المصابَ آخرَ الأحزانِ.
نتوَّجه بخالصِ العزاءِ إلى قيادة المملكة، وإلى جميع منسوبي شركة أرامكو السعوديَّة، الذين فَقَدُوا رجالًا، عُرفوا بالإخلاص والعمل والعطاء، فنسألُ اللهَ أنْ يجعلَ ما قدَّموه في ميزانِ حسناتِهم، وأنْ يجزيَهم خيرَ الجزاءِ.
وستظلُّ المملكةُ -كما عَهِدَها أبناؤها- وطنًا يتألَِّم لفقدِ رجالهِ، ويفتخر بتضحياتِهم، ويخلِّد ذكراهم بالدُّعاءِ والمحبَّةِ والوفاءِ.
منتدى
حين تبكي الأوطان