تباطؤ ملحوظ يشهده السوق العقاري في المغرب، تترجمه أرقام حديثة تشير لانخفاض بالربع الأول من عام 2026 بنسبة 2.4%، وبـ0.4% على أساس سنوي، مع ترقب لضخ سيولة جديدة من مغاربة العالم والسياح للاقتناء أو الإيواء مع حلول فصل الصيف في هذا القطاع الحيوي بالبلاد.
ذلك التباطؤ يُرجعه خبراء عقار واقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، لتحوّل في تركيبة السوق وليس انكماشاً عاماً، ستدخل معها العقارات مرحلة جديدة عنوانها الانتقائية والبحث عن الجودة، معوّلين على تصحيح متوقع مع فصل الصيف وزيادة أعداد السياح وعودة مغاربة العالم.
ويتصدر القطاع العقاري المغربي الأسواق في شمال إفريقيا والمنطقة العربية، وتدعمه مشروعات استراتيجية كبرى مثل التحضير لكأس العالم 2030، التي تستضيفها المملكة.
تباطؤ ملحوظ
أواخر يونيو الماضي، سجّل مؤشر أسعار الأصول العقارية (IPAI) تباطؤاً ملحوظاً خلال الفصل الأول (من يناير إلى مارس) من السنة الجارية مع انخفاض فصلي بنسبة 2.4 %، وبـ0.4 % على أساس سنوي، في وقت تراجع عدد المعاملات بنسبة كبيرة بلغت 40.2 % مقارنة مع الفصل الرابع من السنة الماضية.
وفقاً لذلك المؤشر العقاري الذي يعده بشكل مشترك كل من «بنك المغرب» والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، فإن أسعار العقار خلال الفصل الأول 2026 تراجعت بنسبة 3% في العقارات السكنية والأراضي، وبنسبة 0.8% في العقارات ذات الاستعمال المهني، مقارنة مع الفصل الرابع (من سبتمبر إلى ديسمبر) من السنة الماضية.
وعلى مستوى العقار السكني، سجّلت الفيلات أكبر انخفاض فصلي بلغ 6.4%، متقدمة على الشقق والمنازل التي سجلت كل واحدة منها تراجعاً 2.7%، وبخصوص العقارات المهنية، فإن التراجع الفصلي البالغ 0.8% ارتبط بانخفاض أسعار المكاتب 2.8%، والمحال التجارية 1.1%.
ويبقى التراجع الأكبر مسجلاً على مستوى حجم المعاملات، إذ انخفضت المبيعات على الصعيد الوطني بنسبة 40.2 % مقارنة مع الفصل السابق، وكان قطاع المنازل والفيلات الأكثر تأثراً داخل السوق السكني؛ فقد تراجعت مبيعات المنازل بنسبة 51.6% والفيلات بنسبة 53.1% خلال الفصل ذاته، مقابل انخفاض قدره 37.5% بالنسبة للشقق وشكلت سوق المكاتب استثناء نسبياً، إذ سجلت ارتفاعاً سنوياً بلغ 2%، على الرغم من تراجع معاملاتها 39.2% خلال الفصل ذاته، بحسب التقرير.
تحوّل في تركيبة السوق وليس انكماشاً عاماً
عن أسباب التباطؤ، قال المحلل الاقتصادي المغربي، إدريس الفينة، إن «السبب الأعمق ليس انكماشاً عاماً، بل تحوّل في تركيبة السوق، مع انتقال جزء من الطلب من السوق الثانوية (الموسمية) التي يقيسها المؤشر إلى سوق السكن الجديد التي لا يراها المؤشر إطلاقاً».
وأوضح لـ«إرم بزنس»، أن برنامج الدعم المباشر للسكن مشروط بأن يكون العقار جديداً وحاصلاً على رخصة سكن ابتداءً من يناير 2023، وبالتالي فإن المُشتري الذي يريد الاستفادة من الدعم مدفوعٌ قسراً نحو الوحدات الجديدة، وبعيداً عن العقار المُتداوَل سابقاً، مضيفاً: «ووفق ذلك ستكون النتيجة أن جزءاً من المعاملات كان سيُسجَّل في السوق الثانوية انتقل إلى السوق الأولية الخارجة عن نطاق المؤشر، أي أن المؤشر يلتقط هجرة الطلب، لا اختفاءه».
ويُضاف إلى ذلك عامل يتمثل في أثر القاعدة الموسمية، حيث عادة يكون الفصل الرابع دائماً الأقوى بسبب إغلاق العقود قبل نهاية السنة، فيبدو الفصل الأول ضعيفاً بالمقارنة، بحسب الفينة.
وأعلنت الحكومة المغربية في 2023 إطلاق برنامج دعم مباشر للمشترين لأول سكن في الفترة بين 2024 و2028، يتراوح ما بين 70 ألف درهم (7 آلاف دولار) و100 ألف درهم (10 آلاف دولار)، وفي 12 مايو الماضي، كشفت في بيان، أن 96 ألفاً و274 مواطناً ومواطنة استفادوا من برنامج دعم السكن.
المدينة العتيقة، طنجة، المغرب، 10 مايو 2025المصدر: شاترستوك
انتعاش عقاري موسمي مرتقب
وبشأن كون ذلك إعادة تموضع أم بداية انكماش، أضاف الفينة، أن المؤشر يُظهر أقرب إلى إعادة توزيع منه إلى انكماش، موضحاً أن ما يجري هو انتقال ثقل النشاط من سوق إعادة البيع إلى سوق السكن الجديد المدعوم، وهذا الأخير هو الأكثر دينامية اليوم وهو بالضبط ما لا يلتقطه المؤشر.
وعن مستقبل العقارات خاصة مع الصيف، توقع الفينة أنه «على المدى القريب سيحدث انتعاش موسمي في أرقام المؤشر نفسه خلال الصيف، مدفوعاً بمغاربة العالم (نحو5.1 مليون)، وهم فاعل أساسي في السوق الثانوية تحديداً مع شراء وإعادة بيع العقار والأرض في مناطقهم الأصلية نقداً».
أما على المدى المتوسط، يرجح الفينة أن الاتجاه هو ازدواجية متزايدة للسوق عبر سوق سكن جديد مدفوعة بالسياسة العمومية والدعم المباشر، تتعايش مع سوق إعادة بيع تنضج وتُعيد تسعير نفسها بهدوء، معتقداً أن طفرة كأس العالم 2030 التي تستضيفها المغرب ستكون المحرّك البنيوي الأكبر للأراضي والعقار المهني في المدن المستضيفة.
مرحلة أكثر انتقائية
يقر الخبير والمستشار في العقار في المغرب، بوعبد الله عبدالحق، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن السوق العقاري المغربي يشهد خلال الفترة الأخيرة مرحلة من التباطؤ الملحوظ، بعد سنوات اتسمت بارتفاع الطلب وتغيرات مهمة في مستويات الأسعار والاستثمار، داعياً إلى التمييز مع قراءة هذه المؤشرات بين تباطؤ ظرفي ناتج عن إعادة توازن السوق وبين دخول مرحلة انكماش هيكلي.
ويرتبط هذا التباطؤ بعدة عوامل، بحسب عبد الحق، في مقدمتها الفجوة التي أصبحت قائمة بين مستويات الأسعار والقدرة الشرائية لعدد من الأسر، حيث أدى ارتفاع أسعار العقارات خلال السنوات الماضية إلى جعل جزء من المشترين أكثر حذراً في اتخاذ قرار الاقتناء، بخلاف تشدد بعض الأسر والمستثمرين في قرارات الاقتراض وانتظار ظروف أكثر ملاءمة، إضافة إلى ذلك، تحول سلوك المستثمرين نحو التركيز على جودة المشروعات وموقعها وقابليتها للاستثمار، بدل الاعتماد فقط على توقعات ارتفاع الأسعار.
لذلك، يرى عبد الحق أن التراجع المسجل لا يعكس بالضرورة ضعفاً عاماً في السوق، بل يعكس انتقالاً نحو مرحلة أكثر انتقائية، حيث أصبحت الجودة والقيمة الحقيقية للعقار من أهم محددات القرار الشرائي، مؤكداً أن هذا يعني أن السوق العقارية المغربية ليست في مرحلة انكماش عميق، بل تبدو أقرب إلى مرحلة إعادة تموضع وتصحيح طبيعي بعد فترة من النمو السريع.
ويتوقع عبد الحق أن يمثّل موسم الصيف محطة مهمة بالنسبة للسوق العقاري في المغرب، بالنظر إلى تأثير عودة مغاربة العالم وارتفاع الحركة السياحية، للاقتناء أو الإيواء السياحي، خصوصاً في المدن والوجهات التي تعرف إقبالاً كبيراً خلال هذه الفترة، مثل مراكش وطنجة وأكادير والدار البيضاء والرباط.
واستقبل المغرب خلال شهر مايو الماضي ما يقارب 1.7 مليون سائح، مسجّلاً ارتفاعاً بنسبة 13% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، فيما ارتفع عدد الوافدين إلى المملكة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، بنسبة 7% إلى 7.7 مليون سائح، مقارنة مع الفترة ذاتها من سنة 2025، وفقاً لِما أوردته وكالة الأنباء المغربية أوائل يونيو الماضي.
وارتفع عدد السياح الوافدين إلى المغرب عام 2025 إلى نحو 20 مليون زائر، في رقم غير مسبوق رافقته عائدات إجمالية تجاوزت 124 مليار درهم (أكثر من 13 مليار دولار)، مقارنة بالعام 2024، بحسب ما أعلنت وزارة السياحة المغربية يناير الماضي.