هناك لحظات في تاريخ الاقتصادات لا تُقاس بحجم الاحتياطي النقدي، ولا بمعدلات النمو المعلنة، ولا بعدد المشروعات التي تُفتتح كل يوم. بل تُقاس بشيء أكثر صدقًا… بحركة الأسواق.
فإذا صمتت الأسواق، فلا تصدق الضجيج.
وإذا غاب المشترون، فلا تغرك الأرقام.
وإذا أصبح التاجر يفتح متجره لأنه اعتاد فتحه، لا لأنه ينتظر بيعًا، فاعلم أن الاقتصاد يرسل إشارات استغاثة ينبغي ألا نتجاهلها.
اليوم، لا يعيش السوق المصري أزمة عابرة، بل يمر باختبار وجودي. فالمشهد لم يعد مجرد تباطؤ في حركة البيع والشراء، وإنما حالة من الشلل الصامت؛ البضائع موجودة، والمحال مفتوحة، والمصانع قائمة، لكن الحلقة الأهم… المستهلك… يقف عاجزًا أمام الأسعار، وكأن بينه وبين السوق حاجزًا غير مرئي.
لقد أصبح المواطن يدخل السوق بعينين ممتلئتين بالرغبة، ويخرج بيدين فارغتين.
وهنا تكمن المأساة.
فالاقتصاد لا يُقاس بما يُنتج فقط، وإنما بما يستطيع الناس شراءه. وما قيمة مصانع تعمل إذا كانت منتجاتها تعجز عن الوصول إلى بيوت المواطنين؟ وما قيمة أسواق مليئة بالبضائع إذا أصبحت القدرة الشرائية هي السلعة النادرة؟
الأخطر أن الجميع بدأ يدفع الثمن في الوقت نفسه.
المواطن يواجه تآكلًا مستمرًا في دخله.
والتاجر يواجه مخزونًا يتضخم وأرباحًا تتآكل.
والمصنع يعمل بنصف طاقته حتى لا تتكدس منتجاته.
أما المستثمر، فيؤجل قراراته، لأن رأس المال لا يحب الضباب.
وهكذا تدخل الأسواق في دائرة مغلقة، يطارد فيها الركود الجميع دون أن ينجو أحد.
لكن من الظلم أن نختزل الأزمة في عبارة: “الناس لا تشتري.”
فالناس لم تتوقف عن الشراء لأنها تريد ذلك، بل لأنها فقدت القدرة على الاختيار. لقد أصبح المواطن يراجع فاتورته قبل أن يراجع احتياجاته، ويحذف من قائمة مشترياته ما كان بالأمس من أساسيات الحياة.
إن الاقتصاد ليس معادلات جامدة، بل هو علم الثقة.
وعندما تهتز الثقة، تتوقف عجلة الإنفاق، ويتراجع الاستثمار، ويصبح الخوف هو المدير الحقيقي للأسواق.
ولذلك فإن علاج الركود لا يكون بالمسكنات، ولا بالانتظار حتى “تتحسن الظروف”. فالاقتصاد الذي ينتظر كثيرًا… يخسر كثيرًا.
الحل يبدأ من إعادة الاعتبار للإنتاج الحقيقي، لا للمضاربات.
ومن دعم الصناعة، لا إثقالها بالأعباء.
ومن تشجيع المستثمر، لا إرهاقه بالإجراءات.
ومن حماية المنافسة، لا ترك الأسواق فريسة للاحتكار.
ومن منح المشروعات الصغيرة فرصة للنمو، لأنها ليست مشروعات صغيرة في أثرها، بل هي أكبر مصنع لفرص العمل والاستقرار الاجتماعي.
كما أن الوقت قد حان لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص على أساس الشراكة لا المنافسة، فاقتصاد بحجم مصر لا يمكن أن ينهض بطرف واحد، بل يحتاج إلى منظومة تعمل بروح الفريق، حيث يكون الهدف هو زيادة الإنتاج، وخفض التكلفة، وتحسين القدرة الشرائية، لا الاكتفاء بإدارة الأزمة.
إن أخطر ما يواجه أي اقتصاد ليس التضخم، ولا نقص السيولة، ولا حتى ارتفاع الأسعار…
بل أن يعتاد الناس الأزمة.
عندما يصبح الركود أمرًا طبيعيًا، ويصبح كساد الأسواق خبرًا لا يلفت الانتباه، فهذه ليست أزمة اقتصاد فقط، بل أزمة وعي اقتصادي.
ورغم كل ذلك، فإن السوق المصري لم يفقد مقومات النهوض. فما زالت مصر تمتلك قاعدة صناعية كبيرة، وسوقًا استهلاكية ضخمة، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وموارد بشرية قادرة على صنع الفارق.
لكن هذه المقومات تحتاج إلى قرارات تُعيد الثقة، وسياسات تُشجع على الإنتاج، ورسالة واضحة مفادها أن الاقتصاد لا يُدار بردود الأفعال، بل بالرؤية والاستباق.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغل كل مسؤول وكل صاحب قرار:
هل نريد اقتصادًا يكتفي بالصمود… أم اقتصادًا يعود إلى الانطلاق؟
فالفرق بين الاثنين… هو الفرق بين إدارة الأزمة، وصناعة المستقبل.