لم تكن ريهام تحمل فستاناً، كانت تحمل حياة كاملة، اختصرت في قطعة قماش وردية نجت وحدها من النار. وقفت الطفلة وسط ركام الخيام في مواصي خان يونس، تمسك فستانها بكلتي يديها، كما لو أنها تخشى أن يخطفه أحد أيضاً. خلفها لم يبق شيء يدل على أن هنا كانت حياة. لا جدار، ولا نافذة، ولا وسادة، ولا لعب مبعثرة تنتظر عودة أصحابها. وحده الفستان بقي، كأنه الشاهد الأخير على أن طفلة كانت تعيش هنا، وكانت تحلم كما تحلم كل طفلات العالم.
ثم خرجت من بين شفتيها جملة واحدة: «وين عمي… استشهد». وفي تلك اللحظة، لم تعد ريهام طفلة واحدة، أصبحت وجهاً لطفولة كاملة تبحث عن أحد، فلا تجد إلا الغياب.
صورتها ليست صورة حرب… إنها صورة العالم وهو يقف عاجزاً أمام طفلة لا تعرف كيف تشرح خسارتها… كم هو مؤلم أن يصبح الفستان خبراً، وأن تتحول لعبة طفل إلى مادة في نشرة الأخبار.
وأن يصبح نجاة قطعة قماش حدثاً، لأن كل ما عداها احترق. الحرب لا تبدأ حين تسقط القذيفة. تبدأ عندما يصبح الإنسان مضطراً إلى إعادة تعريف الأشياء.. فالبيت لم يعد بيتاً، أصبح خيمة. والليل لم يعد وقتاً للنوم، إنما موعدا محتملاً للموت.
الطفولة رفاهية لا يستطيع كثير من أطفال غزة الوصول إليها… هناك، يكبر الطفل في أشهر قليلة ما يكبره غيره في سنوات. يحفظ أسماء الطائرات قبل أسماء الطيور، ويميز أصوات الصواريخ أكثر مما يميز أصوات الموسيقى.
يتعلم أن يحمل أخاه الصغير ويركض، قبل أن يتعلم ركوب الدراجة، كنت أحدق في الفستان الوردي أكثر مما أحدق في الدمار. فالدمار، للأسف، أصبح مشهداً يتكرر حتى كادت العين تعتاد عليه، أما الفستان، فقد رفض أن يكون عادياً.
كان اللون الوردي يقاوم كل درجات السواد المحيطة به، كأنه يقول إن الجمال، مهما بدا هشاً، يملك عناداً لا تملكه الحروب.
الحروب تستطيع أن تحرق الخيام، لكنها تعجز عن إلغاء حلم طفلة كانت تنتظر مناسبة سعيدة لترتدي فستانها الجديد، وربما لهذا السبب تحديداً تخيفني هذه الصورة، لأنها ترينا ما كانت الحياة تستعد لتعيشه قبل أن تقاطعها النار. لطالما قيل إن الأطفال لا يفهمون السياسة. وهذا صحيح، لكنهم يدفعون ثمنها أكثر من الجميع!
لا يسألون عن الحدود، ولا عن الخرائط، ولا عن الاتفاقيات. كل ما يريدونه مكاناً آمناً ينامون فيه، وأم توقظهم إلى المدرسة، وأب يعود مساءً، وعيد يرتدون فيه ملابسهم الجديدة.
كم يبدو هذا الطلب بسيطاً. وكم يبدو تحقيقه مستحيلاً في زمن أصبحت فيه أبسط الحقوق حلماً بعيداً.
أكثر ما يؤلم في الحروب أنها لا تكتفي بقتل الإنسان. إنها تغيّر ذاكرته أيضاً، فالطفل الذي ينجو اليوم لن يتذكر طفولته من خلال الألعاب، بل من خلال صفارات الإنذار. سيتذكر رائحة الدخان أكثر مما سيتذكر رائحة الخبز. وسيكبر وهو يعرف أن الخيمة قد تحترق في أي لحظة، وأن الأحبة قد يختفون فجأة، وأن النوم نفسه قد يصبح مغامرة. أي ذاكرة نبنيها لهؤلاء الصغار؟ وأي مستقبل ننتظر منهم أن يصنعوه، إذا كان حاضرهم كله مكوّناً من الخسارات؟
يقال إن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد. يبني بيتاً آخر، ويشتري أثاثاً جديداً، ويستعيد ما فقده مع الوقت. لكن ماذا عن الطفل؟ كيف نعيد إليه شعوره الأول بالأمان؟ كيف نقنعه أن الليل ليس عدواً؟ وأن السماء ليست مكاناً تسقط منه النار؟ وأن الطرقات ليست ممرات للهروب؟ وهل يستطيع أحد أن يعيد لطفلة عمّها الذي استشهد؟ أو يعيد إليها ذلك اليقين الجميل بأن الكبار موجودون دائماً لحمايتها؟
ربما سيجلس المؤرخون بعد سنوات ليحصوا عدد الغارات، وعدد الضحايا، وعدد الخيام التي احترقت. لكن التاريخ الحقيقي لن يكون في الجداول والإحصاءات، سيكون في وجه ريهام. وفي ارتجافة يدها، وهي تضم الفستان إلى صدرها.
حين استعادت العدالة عنوانها في بغداد
لم تكن المرة الأولى التي يسمع فيها العراقيون عن ملفات فساد، ولا عن لجان تحقيق، ولا عن وعود بمحاسبة المتورطين. كم مرة امتلأت الشاشات بالأخبار الكبيرة، ثم ابتلعها النسيان كما تبتلع دجلة أوراق الخريف. وكم مرة ظن الناس أن الباب قد فتح أخيراً أمام العدالة، قبل أن يكتشفوا أن الريح وحدها كانت تعبث بالمقبض؟
ولهذا، بدا المشهد مختلفاً هذه المرة. لم يكن الفرح العراقي بسبب اعتقال فاسدين، إنما بسبب فكرة. فكرة ظلت سنوات طويلة تبدو بعيدة المنال.. أن يكون القانون أعلى من الكرسي، وأن يصبح المنصب مسؤولية لا حصناً، وأن يكتشف أصحاب النفوذ، ولو متأخرين، أن الدولة ليست إرثاً شخصياً يتقاسمه الأقوياء.
ليس الفساد سرقة للمال، كما يظن كثيرون. لو كان الأمر كذلك، لاستطاعت الدول أن تعوض ما خسرته مع مرور الزمن. لكن الفساد أكثر دهاء من ذلك. إنه يسرق ثقة الناس أولاً، ثم يترك المال يغادر بعدها بهدوء. يسرق إيمان الموظف الشريف بأن اجتهاده سيكافأ، وإيمان الطالب بأن مستقبله لا يحتاج إلى واسطة، وإيمان الأم التي تنتظر سريراً في مستشفى حكومي أن حقها لن يضيع لأن شخصاً آخر يعرف مسؤولاً أكبر منها.
وحين تضيع الثقة، يصبح استعادتها أصعب بكثير من استعادة الأموال.
ربما لهذا السبب لا تقاس قيمة حملات مكافحة الفساد بحجم ما يصادر من ذهب أو عقارات أو حسابات مصرفية. فهذه، مهما بلغت قيمتها، تبقى أشياء يمكن عدّها بالأرقام. أما الثقة فلا تقاس إلا حين يخرج المواطن من بيته وهو يشعر أن القانون لا يسأل عن اسم العائلة، ولا عن الانتماء السياسي، ولا عن عدد الحراس الذين يقفون أمام المنزل. القانون الحقيقي لا يعرف سوى الإنسان، ولا يرى سوى الفعل.
العراق لم يكن يوماً بلداً فقيراً. كانت أرضه سخية بما يكفي ليحلم أبناؤه بحياة تليق بهم، لكن بين الأرض وأحلام الناس وقف الفساد طويلاً، كجدار يحجب الضوء. وما من شعب يتألم حين يرى وطنه غنياً وهو يعيش الفقر. فالفقر الذي تصنعه الطبيعة يمكن احتماله، أما الفقر الذي يصنعه الإنسان، فيترك في القلب مرارة لا تمحوها السنوات.
ولعل أجمل ما في مشهد الأيام الأخيرة أنه أعاد إلى الواجهة كلمة كادت تختفي من قاموس الناس وهي المساءلة. هذه الكلمة الصغيرة التي تقوم عليها الدول الكبيرة. فلا دولة بلا مساءلة، ولا مؤسسات بلا محاسبة، ولا مستقبل لوطن يعتقد بعض مسؤوليه أن الكرسي يمنحهم حقاً استثنائياً في تجاوز القانون.
ولأن العراقيين دفعوا ثمناً باهظاً من أعمارهم وأحلامهم، فمن حقهم أن يتعاملوا مع هذا المشهد بشيء من الحذر. إنهم يعرفون أن الطريق إلى العدالة لا يبدأ بالاعتقالات وحدها، ولا ينتهي عندها. فالعدالة ليست صورة مسؤول مكبل اليدين… هي صورة طفل يدخل مدرسة بنيت من مال عاد إلى أصحابه، ومريض يجد دواءه في مستشفى.
في النهاية، لا يحتاج العراق إلى أن يملأ سجونه بقدر ما يحتاج إلى أن يملأ مؤسساته بالثقة. فالسجون قد تعاقب أفراداً، أما العدالة فتبني أوطاناً. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين دولة تنشغل بملاحقة الماضي، ودولة تؤسس لمستقبل لا يضطر فيه المواطن إلى التصفيق كلما رأى القانون يؤدي واجبه، لأن أداء الواجب سيكون، عندها، أمراً عادياً لا يستحق الاحتفال.
وربما لهذا لم يكن العراقيون يصفقون للاعتقالات، بل كانوا يصفقون لذلك الأمل الصغير الذي عبر شاشات التلفاز ووصل إلى قلوبهم. الأمل بأن بغداد، التي أنهكتها الحروب والفساد والخيبات، قد تستعيد شيئاً من عافيتها.
٭ كاتبة لبنانية