لم تكن خطوط الحشد التي امتدت في شوارع وميادين مصر في الثلاثين من يونيو عام 2013 مجرد احتجاج سياسي تقليدي على أداء حكومي أو أزمة اقتصادية خانقة؛ بل كانت في جوهرها حراكاً وجودياً بامتياز. لقد كانت لحظة فارقة اصطدمت فيها رغبة حثيثة في الحفاظ على “هوية الدولة الوطنية” مع مشروع سياسي حاول إعادة تشكيل الوعي والمؤسسات المصرية وفق رؤية أيديولوجية ضيقة.
بعد مرور سنوات على هذا الحدث، لم يعد السؤال المطروح هو “ماذا حدث في الميادين؟”، بل “كيف أعادت هذه الحركة الجماهيرية صياغة الدولة المصرية من الداخل، وكيف غيرت موضعها على الخارطة الإقليمية والدولية؟”.
صدمة الهوية والاستدعاء التاريخي لـ “الدولة”:
في العام الذي سبق 30 يونيو، عاش الشارع المصري حالة غير مسبوقة من الاستقطاب. لم يكن الخلاف على بنود موازنة أو آليات إدارة، بل كان صراعاً على “المجال العام” والثقافة المصرية.
شعرت النخب الثقافية، والطبقة الوسطى، والمؤسسات التقليدية العريقة بأن هناك محاولة حثيثة لـ “تخريب” الطابع المدني والتاريخي لمصر.
هذا الشعور بالتهديد ولّد استدعاءً سريعاً لمفهوم “الدولة الوطنية الصارمة”. ومن هنا، لم يكن غريباً أن يتحول الحراك الشعبي سريعاً إلى تحالف غير مكتوب بين الجماهير في الشوارع ومؤسسات الدولة السيادية (وعلى رأسها القوات المسلحة والجهاز القضائي والأمني).
كان المشهد أشبه باستعادة “المعادلة المصرية القديمة”: الشعب والجيش في مواجهة ما اعتبروه خطراً يهدد كيان الدولة نفسه.
التحول الاستراتيجي: من “الارتباك” إلى “الندية”
على الصعيد الخارجي، مثلت ثورة 30 يونيو زلزالاً سياسياً أربك حسابات عواصم دولية كبرى، لاسيما في الغرب، والتي كانت قد استثمرت سياسياً ودبلوماسياً في مشهد “الربيع العربي” بصيغته الإخوانية.
عاشت الدبلوماسية المصرية في الأشهر الأولى التي تلت الحراك معركة “تصحيح المفاهيم” لشرعنة ما حدث في الميادين.
ومع ذلك، تحول هذا التحدي إلى نقطة انطلاق لسياسة خارجية جديدة تماماً، قامت على مبادئ أساسية:
– تنوع حلفاء الاستراتيجية: لم تعد القاهرة تضع بيضها كله في السلة الأمريكية؛ بل انفتحت بقوة نحو موسكو وبكين، وأعادت صياغة علاقاتها مع العواصم الأوروبية ك باريس وروما بناءً على المصالح الأمنية والاقتصادية المشتركة.
– العمق العربي والخليجي: أعادت الثورة تثبيت المحور (القاهرة – الرياض – أبو ظبي) كحائط صد أساسي أمام مشاريع الفوضى الإقليمية أو التمدد الإيراني والتركي (في ذلك الوقت) بالمنطقة.
– استعادة الدور الأفريقي: بعد سنوات من الإهمال والتجميد، عادت مصر بقوة إلى الاتحاد الأفريقي، معتبرة أن أمنها القومي يبدأ من منابع النيل وعمق القارة.
فاتورة الاستقرار وبناء “الجمهورية الجديدة”
إن القراءة المنصفة لثورة 30 يونيو تقتضي عدم فصلها عما تلاها من استحقاقات.
فقد كان ثمن الاستقرار باهظاً؛ حيث خاضت الدولة معركة شرسة وضارية ضد الإرهاب الأسود في سيناء وبعض المحافظات، وهي معركة استنزفت دماءً وأموالاً، لكنها كانت شرطاً أساسياً لتبدأ الدولة ما يُعرف اليوم بـ “الجمهورية الجديدة”.
انتقلت مصر من مرحلة “تثبيت أركان الدولة” إلى مرحلة “المشاريع القومية العملاقة” والبنية التحتية، وهو المسار الذي رغم ما يواجهه من تحديات اقتصادية وضغوط تضخمية عالمية حالية، إلا أنه يمثل محاولة لإعادة صياغة الجغرافيا المصرية، والخروج من الوادي الضيق، وتحديث وجه البلاد الإنشائي والاقتصادي.
وف الختام ؛ أبعد من مجرد ذكرى
في النهاية، لا يمكن اختزال 30 يونيو في كونها مجرد “تغيير نظام بنظام”؛ بل هي نقطة تحول تاريخية اختار فيها الملايين من المصريين مساراً يرفض الفاشية الدينية ويتمسك بالدولة الوطنية المدنية.
قد تتباين الآراء والتحليلات السياسية والاقتصادية حول الحاضر والمستقبل، لكن يظل الثابت في التاريخ أن 30 يونيو كانت اللحظة التي استعادت فيها مصر بوصلتها، وأكدت فيها أن قرارها الاستراتيجي ينبع أولاً وأخيراً من إرادة الشارع وقوة مؤسساتها الوطنية.